السبت 8 جمادى الآخر 1439 هـ الموافق 24 فبراير 2018 م

الخزانة

العمل السياسي المعاصر ودعوى شمولية ممارسة الإسلام (الحلقة الثانية)

السبت 27 ذو القعدة 1438 هـ     الكاتب : د. كمال با مخرمة

عدد الزيارات : 64

الحمد لله وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً وبعد:

كنت كتبت قبل أيام مقالاً قصيراً عن أهمية "فصل العمل السياسي عن العمل الدعوي" وكان ثمرة حوار دار بيني وبين بعض الأفاضل إلا أن ما قرأته من بعض الردود أو التعليقات حمَّل المقال ما لا يحتمل، وفُهم منه غير المقصود، وكانت بعضُ الردود خارج نطاق النزاع، فأردت في هذا المقال إيضاح بعض ما لم يُفهم منه؛ وذلك لأهمية الموضوع في ذاته، وأهمية إجراء نقاش وحوار متعمق بين أبناء التيار الإسلامي للخروج برؤية سديدة حوله يرشد دعوتهم وحركتهم ونشاطهم الإسلامي الهادف إلى إصلاح ما يمكن إصلاحه من أحوال الأمة المتدهورة.

الظروف التي تعيشها الأمة اليوم لا يوجد فيها مناخٌ سويٌّ لممارسة السياسة الشرعية في ظل تمكين واختيار حر في اتخاذ القرار، والعملُ السياسي المعاصر هو مزاحمة بين تيارات ذات أيدلوجيات متنوعة متصارعة غالباً، والأصل أن التمكين فيها للعلمانية والديمقراطية المولودة والناشئة في غير مجتمعات إسلامية وتعتمد على أسس غير إسلامية بل مناقضة لها، وعلى رأسها اعتبار السيادة في التشريع لغير الله وهي تتعارض مع كلمة التوحيد لا إله إلا الله، كما أن الديمقراطية في بلداننا هي دعوى أكثر منها حقيقة واقعة، فمن مبادئ الديمقراطية على سبيل المثال إعطاء الشعب الإرادة الكاملة والحرية في اختيار الحاكم وهذا شبْهُ منعدمٍ في البلدان الإسلامية، بل الموجود هو حكمٌ جبري رغماً عن أنف الشعوب.

وفرضُ حاكم معين على الشعوب يتخِذُ وسائلَ شتَّى على رأسها تزويرُ إرادة الشعب باستخدام القوة العسكرية ومقدرات الدولة الأمنية والاقتصادية والإعلامية الخ؛ ولذا حين قامت ثورات الربيع العربي وأعطت أملاً للشعوب في الانعتاق من الديكتاتورية والاستبداد، وجدنا كيف خرجت الشعوب بنسب عالية تنتخب وتختار، ولكن هذا الأمل لم يطُل وتم إجهاضه بالقوة والجيوش وقوات الأمن، وبالتآمر على بلدان الربيع العربي بصور شتى من استدامة الحروب والصراعات فيها حتى لا تتمكن الشعوب من الاختيار الحر لحكامها واختيار نظام الحكم الذي ترغب فيه.

وعليه فخيارات الحركة الإسلامية في المشاركة أو الشراكة في السلطة في ظل الأنظمة المعاصرة محدودة، وبالقدر الذي لا يُسمح لها بتغيير كبير في أنظمة الحكم فضلاً عن الانفراد بها، ولقد استمرأ دعاة العلمانية والحرية القمعَ والاستبدادَ والوقوفَ مع الديكتاتورية لمنع وصول الحركات الإسلامية للحكم ولو عن طريق صناديق الانتخابات.

هذا جانبٌ من توصيف صورة العمل السياسي الذي تعمل فيه الحركات أو التيارات الإسلامية، وهي صورة استثنائية اضطرارية ذات خيارات محدودة في التأثير الكليِّ في الواقع السياسي، وإن وجد تأثيرٌ جزئي هنا أو هناك ولا يخلو أيُّ عمل من مفاسد ومصالح، وبالتالي فإن من ينخرط فيه أو من لم ينخرط فيه لا يعبِّر بأيِّ حال من الأحوال عن ممارسة شاملة للإسلام أو عدم ممارسة، ولا يعطي بمجرده أن من خاضه لديه فهم شمولي للإسلام ومن لم يخضه فإنه يفصل السياسة عن الإسلام أو ينهج منهج العلمانية إلا إذا صرح هو بأن لا سياسة في الإسلام مطلقاً، وأن الإسلام محصور في المسجد والشعائر التعبدية، وألا علاقة بالإسلام بشئون الحياة والحكم، فمن لم يخض غمار العمل السياسي الحزبي المعاصر في ظل الصورة المشار إليها آنفاً إما :

أنه يرى حرمته وعدم جوازه لما يترتب عليه من المفاسد العظيمة التي تقصر عنها المصالح المرجو تحققها من المشاركة فيه، فهو يرى أن مفاسده أعظم من مصالحه، ولذا حكم بتحريمه وهذا الرأي عليه ثلةٌ من العلماء وأبناء التيارات الإسلامية، ومع ذلك فهم يعتقدون أن الإسلام شامل لكلِّ جوانب الحياة ومنها السياسة، فامتناعهم إنما كان امتناعاً عن صورة مخصوصة من العمل السياسي في  ظل واقع مخصوص، ويمكن أن يتغيَّر الاجتهادُ في صورة أخرى وواقع آخر، وهؤلاء ليسوا مطالبين الآن أن يحددوا صورة العمل السياسي الجائز في حال تغيرت هذه الظروف القاهرة للجميع؛ لأن الذي يحكم ذلك هو تغير الوقائع والنوازل، والاجتهاد فيها لا يكون إلا بعد وقوعها، ولا يمكن لأحد أن يزعم أن هؤلاء يطلبون صورة مثالية للعمل السياسي أو يطلبون صورة طهورية ليس فيها مفاسد إلا إذا صرَّح أحدٌ منهم بذلك، والدليل على ذلك أن اجتهاد أغلبهم إن لم نقل كلّهم قائم على الموازنة بين المصالح والمفاسد، مما يدل أنهم لو رأوا أن العمل السياسي المعاصر مصالحه أعظم من مفاسده لجوزوه وربما خاض بعضهم فيه؛ والذي يزعم أن هذا الاجتهاد من أسباب توجه بعض الشباب لمنهج العنف أو الغلو فقد أخطأ في تفسيره وجانب الصواب؛ ذلك أن الغلو أو سلوك مسلك العنف هو ظاهرة معقدة لها أسباب عديدة، وأوّلُ مغذٍّ لها مباشر هو الاستبداد والأنظمة الشمولية أحادية الرأي سواء ظاهراً وباطناً، أو باطناً فقط، وكذا محاربةُ الدعوة الإسلامية الوسطية السنية وعلمائها وتياراتها، والعملُ على تجفيف منابعها وإفشالها، والقضاء على مشاريعها التوعوية والتربوية والإغاثية واتهامُها بالإرهاب ونحوه، وكذلك التفريط في قضايا المسلمين الأساسية كتحرير الأقصى، وسفك دمائهم أو المساهمة في ذلك أو التقصير في  الدفاع عنهم في مناطق عديدة من بلدان المسلمين، فصور المجازر التي تحدث للمسلمين في كثير من البلدان وخاصة فلسطين وسوريا وبورما وغيرها كثير، تغذِّي الشباب بروح الدفاع عن الدماء المسكوبة والأعراض المنتهكة والانتقام لهؤلاء المستضعفين، ونظرةٌ أولية في الإنتاج الإعلامي لجماعات العنف تجد هذه المشاهد المؤلمة للمجازر مليئة به، وهم بهذا يغذون في الشباب هذه الروح، ويوجهونها الوجهة التي يريدون من غلو وانحراف في الفكر والسلوك، في ظل تغييب وتشويه ومحاربة العلماء والحكماء الذين يرشِّدون ردات الفعل ويضبطونها بضوابط الشرع، ويدلون الشباب على الوسطية والاعتدال ومنع الشباب من الانجراف مع جماعات التكفير والعنف والفوضى القتالية التي تترتب عليها مفاسدُ وأضرارٌ كبيرة على الأمة والدعوة الإسلامية، ولا تحقق أيّاً من الأهداف التي خرجوا من أجلها، إلى غير ذلك من أسباب نفسية وعلمية وتربوية واقتصادية.

أو يرى من لم يخض غمار العمل السياسي الحزبي المعاصر أن التخصص الذي هو فيه من تعليم ودعوة هو المناسب له وإن كان يرى في نفسه أهلية في خوضه.

أو يرى عدم قدرته لخوض هذا المعترك إما لعدم وجود القدرة الشرعية (الاستطاعة) أو عدم الأهلية، كما أنه ليس كلُّ من أجاز الخوض في العمل السياسي الحزبي المعاصر عنده أهلية للدخول فيه، فكلٌّ ميسر لما خلق له.

وهناك ثلةٌ لا تخوض العمل السياسي بسبب قصورٍ في فهم الإسلام وشموليته، أو تشوُّهٍ في مفهوم السياسة في الإسلام لديها، أو أنها خضوعٌ مطلق للحاكم مهما فعل وارتكب، فهي تسير في ركابه أين توجهت ركائبه؛ ولذا رأينا في زمن الاستعمار النصراني الغربي لبلاد المسلمين جملة من هؤلاء يدعمون المستعمر ويقفون ضد إخوانهم الذين يناهضونه.

والدعوة التي دعا لها المقال السابق من فصل العمل السياسي عن الدعوي هي دعوةٌ لفصلٍ وظيفيٍّ تخصصيٍّ محض، وليس فصلَ السياسي عن الدعوي بالمطلق، ولا فصلاً بين المبادئ السياسية والمبادئ الإسلامية، فهذا أمرٌ مستحيل لا يمكن أن يدعو إليه أصغر طالب علم، بل هو "فصلُ عملٍ سياسيٍّ مخصوص في ظل ظرف مخصوص"، وهو فصل العمل السياسي الحزبي عن العمل الدعوي وبتعبير أدق " تمييز السياسي عن الدعوي " وهو تمايز في الممارسة فقط، وليس له علاقة بالفهم أو الاعتقاد.

 ولا يقصد به بحال من الأحوال انعزال الدعوة عن السياسة تنظيراً أو عملاً؛ إذ ممارسة السياسة ليست محصورة بصورة المعترك الحزبي السياسي الحالي، بل هناك صور متعددة يمكن أن تمارس فيها السياسة بعيداً عن معترك خاص هدفه الوصول إلى السلطة في الأنظمة العلمانية أو الديمقراطية المعاصرة، فهناك الوعي السياسي والتحليل السياسي، والنصح السياسي، وتقديم المبادرات السياسية التي تساهم في حل أزمات سياسية معينة وهناك أشكال متعددة من المساهمة السياسية مثل التعاون المشترك بين العمل الدعوي والأحزاب السياسية ذات التوجه الإسلامي على وجه الخصوص، من ترشيد ونصح وتوجيه واقتراح مبادرات ونحو ذلك مما يحافظ على الأحزاب من أن تنغمس في الارتكاس والانحراف السياسي الذي قد تصرعهم فيه الصراعات الحزبية والضغوط السياسية، في الوقت الذي يظل فيه العملُ الدعوي بعيداً عن التلطخ بأيِّ أخطاءٍ أو انحرافات تقع فيها الأحزاب، وبذلك يتم تفادي أيِّ اختلال في أذهان المسلمين عن مفاهيم الإسلام وحقائقه أو أحكامه؛ بسبب أن العاملين في المجال السياسي لا يشكلون مرجعيةً لفهم الإسلام وتعليم أحكامه لجماهير المسلمين وإن كان لا يمنع أن يكون منهم علماء وفقهاء بالشريعة بل يجب؛ إذ أن هذا أمرٌ لابد منه لكلِّ من يخوض في العمل السياسي لأن قضاياه شائكة، وفيه نوازلٌ غير منصوص عليه وربما لا تكون قريبة المأخذ مما يتطلب عمقٌ في فهم الشريعة والنصوص وفقهها، فلا يعني القول بفصل العمل السياسي عن الدعوي أن يكون القائمون عليه جهالاً بالشريعة أو غير متمسكين بدينهم وغير سائرين على نهج الاستقامة والصلاح المطلوب من كل مسلم.، بل إن كل حزب يخوض غمار السياسة يجب أن تكون مرجعيته الشريعة الإسلامية عقيدة وأحكاماً، ولا يمكن لحزب إسلامي ألا يكون له هدف غير تحكيم الشريعة والعمل وفقاً لمنهج الله في الأرض، ودخولُه غمار السياسة غرضُه وغايته حماية الإسلام وأحكامه، وحماية الدعوة الإسلامية وإعطاؤها مزيداً من الحرية والاستقلالية عن تدخل الحكومات فيها، واستغلالها الدين وبعض المنتمين للدعوة والعلم الشرعي  للدفاع عن أخطائها وانحرافاتها وبعدها عن الإسلام، أو تبرير استبدادها وجرائمها ضد الوطن ومقدراته، إما بالفساد بأنواعه وإهمال البنية التحتية، أو التفريط في التنمية وتطوير اقتصاد البلد، أو الخضوع للاستعمار الأجنبي وسلبه سيادتها وتدخله في شئونها الداخلية والعبث بدماء وممتلكات مواطنيها عبر أجوائها وبحارها وأراضيها، أو غير ذلك مما هو يناقض الشريعة أو يسلب حقوق المواطنين أو يفرط بدمائهم وأعراضهم وأموالهم.

إن هذا الفصل أو التمييز بين العملين يخفف ويقلل من المفاسد التي يذكرها المحرمون للدخول في العمل السياسي في ظل الأنظمة المعاصرة؛ وذلك حين يكون العاملون في المجال السياسي ليسوا مرجعية للناس يتلقون منهم أمور دينهم ومفاهيمه وحقائقه، وهم إن أحسنوا عاد ثمرة إحسانهم عليهم وعلى الأمة والدعوة، وإن أساءوا لم يكونوا سبباً في الإضرار بأفهام الناس وتشويه حقائق الإسلام في نفوسهم، وإنه لأمر مطلوب شرعاً أن يسعى العامل في تعطيل المفاسد وتقليلها؛ فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وهذه التيارات المشاركة في العمل السياسي إنما خاضت العمل السياسي بناء على هذه القاعدة، فما يقومون به من أعمال أو تصرفات مبنيٌّ عليها، فما الذي يمنعهم من القيام بهذه الخطوة " التمايز بين العمل الدعوي والسياسي" استناداً إلى هذه القاعدة العظيمة؟! ولْيَعُدُّوا هذا الفصل أو التمييز واحداً من التصرفات السياسية التي يضطرون للقيام بها، ويعملون بذلك على تخفيف حدَّةِ النزاع بينهم وبين المحرمين.

ثم إنك لو تتأمل حزباً سياسياً يقوم إلى جانب نشاطه السياسي بالأعمال الدعوية والعلمية والإغاثية والحقوقي ويسعى في رعاية المساجد وأنشطتها اليومية والموسمية، ويسعى في كفالة الدعاة وأنشطتهم، وفتح المراكز العلمية ورعاية طلابها، ومراكز التحفيظ وطلابها، ودور الأيتام والأسر الفقيرة، والمؤسسات الحقوقية وغيرها الكثير، فهل هذا الحزب سينجح في جميع ذلك، أم ستكون النتيجة أنه ليس بالجماعة الدعوية المتميزة ولا هو بالحزب السياسي القوي يواكب الأحداث والمعارك السياسية التي يخوضها.

 ثم كيف سيتعامل مع النشاط السياسي هل بعقلية الداعية أم بعقلية السياسي؟! فالخطاب الدعوي قائم على الكسب، بينما السياسي يقوم على المغالبة.

كما أن اختلاف طبيعة العملين تظهر في أن حاجة الناس للتدين لا تعني قبولهم بمشروعك السياسي، فقد يقبلون بك واعظاً ومربياً لأبنائهم، أما أن تزاحمهم على مصالحهم السياسية فهذا ما ينفرون منه.

كما أن التصدر في الأمرين جعل من الفتاوى أو المواقف أو الأحكام الشرعية رأياً من الآراء يمكن قبولُها أو ردُّها بحسب اختلاف الانتماء للأحزاب، وهذا أحدُ الأخطار التي تجعل من الحكم الشرعيِّ ميداناً للصراع السياسي والحزبي؛ ولهذا فإن صفاء الخطاب الدعوي وانفكاكه عن الصراعات السياسية الحزبية أدعى لقبول الناس به حيث لا يعدونه من قبيل المغالبة والمناكفة السياسية، وفي المقابل فإن التصدر في الأمرين يجعل من الموقف السياسي أو الحزبي حكماً شرعياً ثابتاً لدى عدد من أنصار الأحزاب الإسلامية، وهو لا يعدو أن يكون موقفاً مؤقتاً من قضية معينة أو داخلاً ضمن المناكفات والصراعات السياسية والحزبية التي يتوخى بها الضغط أو كسب موقف أو تحقيق نجاح في مفاوضات معينة.

 ثم كيف سيوازن الحزب بين خطابه السياسي وخطابه الدعوي، ومعلومٌ اختلاف الخطابين لكلِّ من خاض في الأمرين، فهو إمَّا أن يغلِّب خطابه السياسي، أو يغلِّب خطابه الدعوي وبالتالي سيناله من نقدِ الأحزاب المنافسة الشيءُ الكثير وهم جاهزون لالتقاط أي سقطةٍ أو خطأ.

واختلاف الخطابين نشهده في كثير من الأحيان على سبيل المثال عند صياغة بيان للعلماء فتجد أن من خاض في مجال العمل السياسي منهم يأتي بصياغات سياسية تختلف عن لغة أهل العلم والفقه، فيعترض عليها آخرون ويقول هذه لا تتناسب مع اللغة العلمية والفقهية، ولا يعني أن هذه اللغة لا تدخلها الموازنات الشرعية ومراعاة الواقع وملاحظته، ويخطئ من يظن أن العمل الدعوي لا تدخله الموازنات لأنه يتعامل مع الواقع وتقلباته، والنوازل وتنوعها، وكل ذلك يستلزم حكماً وتعاملاً خاصاً يتناسب معها يراعي الحال والمآل، إلا أنه من المعلوم أن الموازنات التي تتعلق بالعمل الدعوي تختلف عما تعرِضُ للأحزاب العاملة في المجال السياسي المعاصر لاختلاف النشاطين وميداني العمل وطبيعة القضايا التي يتم تعامل كلٌّ منهما معها.

وإذا تأملنا التجربة العملية لهذا التمييز بين العملين نجد تجربتي حزبي العدالة والتنمية في كل من المغرب وتركيا، فقد ارتأت حركة الإصلاح والتوحيد تمييز العمل السياسي عن الحركة وإعطاء حرية القرار والإرادة للحزب مستقلاً بقيادته واختياراته السياسية عن الحركة، وهذا أعطى الحزب حرية الحركة والمناورة في المجال السياسي دون أن تقيده الحركة باختياراتها الخاصة، كما أعطى للحركة مجالاً للنأي بنفسها عن تحمل تبعات الصراع السياسي القائم، وهذا أفاد الحزب والحركة معاً.

وأما التجربة التركية فهي أمعن في الفصل وأبعد شوطاً، ونحن لا نوافق الحزب بالمطلق في اختياراته العلمانية وعدم اعتماد المرجعية الإسلامية، لكن هذا له ظروفه الخاصة في تركيا حيث العلمانية المتطرفة المعادية للدين الإسلامي، فلا يمكن قبول حزب لا يعتمد العلمانية وتكون مرجعيته إسلامية، وهذه قضية ليس محل نقاشها هنا، ولكن يؤخذ منه موضع الشاهد، وهو أن قيادة هذا الحزب لم تعتبر نفسها مرجعية في تعليم الإسلام وأحكامه، فما يصدر عنها لا يمثل مفاهيم الإسلام وأحكامه، بل هي تصرفات صادرة من سياسيين، ومع ذلك فإن النزعة الإسلامية لدى قيادة هذا الحزب استطاعت أن تخفف من تطرف العلمانية المعادية للدين، وأعطت مجالاً أوسع من الحريات للدعوة الإسلامية، وهذا أفاد السياسة - في ظل الظروف الخاصة بتركيا - وأفاد الدعوة، ونحن عندما نثمن التجربة التركية هذه لا ندعو إلى تطبيق نموذجها بحذافيره؛ لأن حجم التجريف للإسلام وأحكامه في تركيا بلغ حداً مهولاً حتى أصبح الناظر لها لا يفرق ببينها وبين أي بلد أوربي، ومحاولة حزب العدالة والتنمية لتعديل بعض القوانين يتوخى بها أن تكون قريبة من أيِّ دولة عربية تتبنى نظام حكم علماني، وإفساح المجال لبعض الأحكام الإسلامية المتعلقة بالأحوال الشخصية للأفراد، مثل "مشروع قانون الزواج الديني الذي يسمح للمأذون الشرعي بعقد الزواج ليكون مساوياً للزواج المدني الملزم به في تركيا" ، فهذا الزواج أمر مقر في البلدان العربية بينما أثار هذا القانون جدلاً ومعارضة في تركيا، فالبون شاسعٌ وكبيرٌ بين تركيا والدول الإسلامية الأخرى؛ ولذا فمن الخطأ أخذ النموذج التركي برمته ومحاولة تطبيقه في البلدان الإسلامية، لكن هذا الفصل بين العمل السياسي والدعوي هو نموذج جيَّدٌ يمكن العمل به في ظل الأنظمة الحالية. 

وعموماً الكلام عن مبررات فصل أو تمييز العمل السياسي عن العمل الدعوي متعددة، ويكتفي المقال بهذا القدر لئلا يُثقل على القارئ؛ فإن أيامَّنا هذه بات الكثير لا يقرأ المقالات الطويلة وأصبح أسلوب مقالات التواصل الاجتماعي تغلب على الكثير.

استطلاع رأي

ما هو تقييمك للموقع الجديد؟

مركز الاعلام

الصحف الكويتية تتناول أخبار مؤتمر (وحدة الخليج والجزيرة العربية) وتشير إلى مشاركة رئيس المركز في فعالياته...

في مؤتمر اتفاقيات المرأة بالمنامة: خبراء ومفكرون عرب يحذِّرون من اتفاقيات دولية تدعو إلى المعارضة للدين والأخلاق بالإباحية

دراسة تحذر من مآلات (أزمة الجنوب) وشبح التقسيم

صحيفة الغد: دراسة تحذر من تنامي ظاهرة "العنف الإسلامي" مستقبلا

قضايا المرأة اليمنية بمنظور الشرع والتقاليد والواقع

26 سبتمبر: (العنف في اليمن) كتاب لـ(أنور الخضري)

عقلية علمانية أم مطلب حقوقي؟ جدل الحركة النسوية في اليمن يعيد مصطلحات الخلافات الأيدلوجية

معرض الصور

المزيد

معرض الملتميديا

المزيد
2018