السبت 8 جمادى الآخر 1439 هـ الموافق 24 فبراير 2018 م

أبحاث ودراسات

أوضاع الصومال في القرن الأفريقي وأثرها على الأمن في إقليم البحر الأحمر 2 - 3

الأربعاء 2 شعبان 1428 هـ    

عدد الزيارات : 748

الاهتمام الأمريكي بالصومال:

في عهد الحرب الباردة، توجه النظام الصومالي بزعامة سياد بري شرقا صوب الاتحاد السوفيتي، وتم توقيع معاهدة تعاون وصداقة بين الجانبين عام 1974م. وهو العام الذي شهد قيام الثورة الاشتراكية في أثيوبيا ضد "هيلاسلاسي" بزعامة "منجستو".

وفي حين توجه نظام "منجستو" إلى الشرق تغير اتجاه التحالفات الخارجية للنظام الصومالي بزعامة سياد بري إلى الغرب، خاصة بعد هزيمته أمام أثيوبيا في حربهما على إقليم "أوجادين" عام 1978م، والتي فضل فيها المعسكر السوفييتي الوقوف إلى جانب نظام "أديس أبابا". وبالرغم من توجه سياد بري إلى الغرب إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية تعاملت مع نظامه بتحفظ، وذلك لعدة أسباب، منها: خلفية النظام الاشتراكية وطبيعته الاستبدادية، وغياب المؤهلات التي تسمح للصومال القيام بدور شرطي المنطقة.

لذلك وعلى الرغم من توقيع الاتفاقات العسكرية والاقتصادية مع واشنطن عام 1980م لم تقدم الولايات المتحدة الأمريكية لنظام بري الدعم اللازم لبقائه، مما ساعد في إسقاط نظامه أوائل التسعينيات بعد اندلاع الحرب الأهلية. بل تذكر بعض المصادر أن واشنطن كانت هي الممول للمعارضة؛ وحين قررت الأمم المتحدة -بعد سنة من انهيار نظام بري- إرسال قوات إلى الصومال باسم (إعادة الأمل) أراد بطرس غالي* أن ينتهز هذه الفرصة ويأمر القوات بنزع الأسلحة من المليشيات؛ إلا أن هذا الطرح قوبل بالرفض من قبل الولايات المتحدة!

ولحاجة في نفس الإدارة الأمريكية لم تتدخل في الشأن الصومالي إبان هذي الحرب، بل تركت الأمور تسير في سيناريو متوقع ومعد له من دول إقليمية؛ في حين أدارت هي حرب الخليج الثانية من مكان غير بعيد عن مقديشو.

وبعد عام ونصف من الحرب الأهلية في الصومال، قرر الرئيس الأسبق جورج بوش (الأب) التدخل ضمن قوات إعادة الأمن في الصومال بهدف حفظ السلام وتأمين وصول المساعدات الإنسانية للمحتاجين –كما قيل في حينها!

إلا أن هذه المهمة المعلنة فشلت عقب اتحاد الفصائل المتحاربة من أجل إخراج القوات الأمريكية من البلاد، ومقتل 18 جنديا أمريكيا على يد رجال المليشيات، والتمثيل بجثثهم على مرأى من وسائل الإعلام العالمية في أكتوبر 1993م، وبالتالي انسحبت هذه القوات في 1994م تجر وراءها أذيال الخيبة والهزيمة!

ومنذ ذلك الحين وواشنطن تعمل على مراقبة الصومال من بعيد، أو بالوكالة عن طريق أثيوبيا، حيث تزود الإدارة الأمريكية نظام أديس بالمعدات العسكرية لمطاردة القوى الإسلامية في المنطقة!

وعقب حادث تفجير السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998م عاد الاهتمام الأمريكي بالصومال، فقد اتهمت واشنطن حركة الاتحاد الإسلامي في الصومال بتنفيذ عملية تفجير السفارتين؛ بل اعتبرت الحركة قاعدة تمويل خلفية لحركة "طالبان" و"تنظيم القاعدة" بعد هجومها على أفغانستان على خلفية أحداث 11سبتمبر.

وتعتبر كينيا ودول القرن الأفريقي في نظر الإدارة الأمريكية من مراكز أنشطة تنظيم القاعدة الذي تحمله مسؤولية الهجمات على سفارتيها في كل من نيروبي ودار السلام بتنزانيا في أغسطس عام 1998م. وقد تعرضت مصالح وأهداف أمريكية أو إسرائيلية إلى عدة تهديدات أو عمليات تم تنفيذها.. وهذا ما أكده "فيليب ريكر" المتحدث باسم الخارجية الأمريكية بقوله: إن التهديدات في منطقة القرن الأفريقي مازالت ماثلة.

بل لقد اتهم تقرير الأمم المتحدة، بشأن الهجمات التي شُنت على فندق وطائرة ركاب إسرائيلية في كينيا في (28/11/2002م)، مقاتلون من تنظيم القاعدة تم تسليحهم وتدريبهم في دولة الصومال! وربط التقرير بين اليمن والصومال حيث أشار بأن الصاروخين اللذين استخدما في الهجوم على طائرة العال الإسرائيلية أرسلا إلى الصومال من اليمن!

لقد رشحت هذه الأحداث الصومال لأن يكون المحطة الثانية بعد أفغانستان في حرب الولايات المتحدة على ما تصفه بالإرهاب. وقد نشرت الولايات المتحدة عددًا كبيرًا من سفنها البحرية في منطقة القرن الأفريقي تساندها تسع دول غربية أخرى، وأقيمت قاعدة عسكرية أمريكية ضمت قرابة 1.800 جندي في جيبوتي المجاورة، ونفذت طائرات الولايات المتحدة وقوات التحالف والبواخر الحربية دوريات استطلاعية على الصومال والمنطقة.

وبالتالي فإن واشنطن تتعامل مع قضية الصومال من زاوية تأثير الأوضاع فيها على الجانب الأمني في القرن الأفريقي وفي خليج عدن، وكان من أبرز أنشطة الولايات المتحدة خلال هذه الفترة ما يلي:

-  إرسال الجواسيس والمخبرين لتتبع أي تجمعات أو تحركات ذات طابع إسلامي معادي لها، وذلك بالتعاون مع عدد من زعماء الميليشيات الصومالية الذين يمتلكون مطارات خاصة في الصومال. ووفقا لبعض المصادر: "فإن عناصر من مكتب التحقيقات الاتحادي (الفيدرالي) الأمريكي وجهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (الموساد) تقوم بزيارات منتظمة للعاصمة الصومالية مقديشو عبر هذه المطارات تحت غطاء أنهم رجال أعمال".

وقد هاجم الرئيس الصومالي السابق عبد القاسم صلاد حسن، في مؤتمر صحفي بالعاصمة مقديشو 23/11/2003م، واشنطن بقوله: إن "أمريكا تتعامل مع المجرمين في الصومال للوصول إلى مآربها"؛ وجاء تصريحه هذا تعليقا على قيام عناصر من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الـ "سي آي إيه" باختطاف مواطن عربي يشتبه في تورطه بتفجيرات "مومباسا" في كينيا في نوفمبر 2002م من على سرير مستشفى بمقديشو بالتعاون مع أحد قادة الفصائل الصومالية ونقله إلى كينيا.

وكان مما قاله: "كان من اللائق بدولة مثل أمريكا إذا كانت تحترم نفسها أن تتعامل مع السلطة الشرعية في البلاد إذا كان لديها أدلة على مشتبه فيهم تريد محاكمتهم، وليس مقبولا أن تتوجه إلى مجرمين محترفين للقبض على أشخاص بزعم أنهم متورطون في أعمال إرهابية"، ودعا الولايات المتحدة إلى الكف عن سياسة "الدخول من الشباك في البيت الصومالي"، والتوجه نحو البوابة الشرعية المتمثلة في الحكومة الانتقالية.

-  توزيع الأدوار بين إثيوبيا وكينيا في لعب دور بارز في الشأن الصومالي، يقول مسئول شؤون القارة الأفريقية بوزارة الخارجية الأمريكية، بعد زيارة له إلى إثيوبيا وكينيا وجيبوتي وجنوب أفريقيا حيث أدلى بتصريح صحفي: "لولا مخافة إزعاج بعض أصدقائنا من العرب لكلفنا إثيوبيا ملف الصومال". ويؤكد قائد القوات الأمريكية في جيبوتي أثناء زيارة له في أديس أبابا: "قررنا أن تكون إثيوبيا مندوبتنا لحماية الحدود الصومالية من تسلل الإرهابيين منها وإليها، والترصد لتحركاتهم".

وقد نقلت صحيفة "ذا إيست أفريكان" الكينية الأسبوعية في عدد 8/12/2003م: أن الساحل الكيني يخضع لمراقبة ثلاثية مشتركة من عناصر الاستخبارات الأمريكية والكينية والإسرائيلية.

ويعد مؤتمر المصالحة الصومالية في العاصمة الكينية نيروبي المؤتمر الوحيد الذي تحضره واشنطن بصفتها من الدول المهتمة بالصومال، وعلى مستوى مسئول مساعد شؤون الصومال التابع للسفارة الأمريكية في نيروبي، حيث جلس بجانب السفراء المعنيين بصفته سفير بلاده للصومال.

-  متابعة الشركات الاستثمارية والمصرفية العاملة في الصومال، حيث نظم برنامج الأمم المتحدة للتنمية في الصومال مؤتمرا في لندن (في ديسمبر 2003م)، بإيعاز من الولايات المتحدة وبريطانيا، شاركت فيه 14 شركة صومالية تعمل في مجال تحويل العملات من وإلى الصومال بمشاركة ممثلين عن الولايات المتحدة ودول أوروبية من بينها بريطانيا وألمانيا والسويد وهولندا، وناقش المؤتمر عمل شركات الحوالات الصومالية، وكيفية ضمان عدم اختراقها من قبل من تصفهم واشنطن بالإرهابيين.

وقد فرضت كل من الولايات المتحدة وعدد من دول أوروبا جملة من الشروط الجديدة على شركات الحوالات المالية الصومالية، من بينها تصوير هويات ووثائق من يحولون النقود عن طريقها إلى الصومال!

وأشار برنامج الأمم المتحد للتنمية في بيان صحفي أصدره بعد انتهاء المؤتمر إلى أن الاجتماع كان فرصة للشركات الصومالية والمشرعين الماليين الدوليين لمناقشة القوانين والأطر الجديدة التي تبنتها الولايات المتحدة والدول الأوروبية في مجال تحويل العملات ودور الشركات الصومالية إزاء ذلك باعتبار الصومال "منطقة تحوم حولها الشكوك في مصير العملات التي تحول إليها". وبحسب تقديرات الأمم المتحدة فإن شركات الحوالات الصومالية تقوم بتحويل مبالغ مالية تتراوح بين 700 مليون إلى مليار دولار سنويا إلى الصومال!!

وكان الرئيس الأمريكي جورج بوش (الابن) قد أعلن في 7/11/2001م تجميد أرصدة شركتي "البركات" و"التقوى"، المتخصصتين في تحويل الأموال من وإلى الصومال، بتهمة أنهما "تجمعان الأموال للقاعدة، وتقومان بإدارة واستثمار وتوزيع هذه الأموال لصالحها".

من جهة أخرى اضطرت بعض المؤسسات العاملة في الصومال والمتهمة بدعم الإرهاب، إلى إغلاق مكاتبها والتخلي عن أعمال الإغاثة والدعم الإنساني كما حدث مع "مؤسسة الحرمين الخيرية" السعودية!

لقد استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية اتفاقياتها الثنائية مع كل من كينيا وأثيوبيا وأوغندا في مجال التعاون الأمني والعسكري كمدخل لتكثيف وجودها الأمني في تلك البلدان، علاوة على اختيار جيبوتي لتكون مركز تغطية لجانبي البحر الأحمر الإفريقي والآسيوي بالتنسيق مع حلفائها من الدول الأوروبية، فأعطت ألمانيا القيادة العامة لقوات التحالف المسئولة عن مراقبة الأوضاع في تلك المنطقة، حيث أقامت الأخيرة قاعدة عسكرية لها في جيبوتي إلى جوار القاعدة الفرنسية القائمة هناك منذ استقلال جيبوتي. ويقدر تعداد القوات الأمريكية المرابطة في جيبوتي بـ (10.000)، وتعتبر القوات الدولية على أرض جيبوتي الأكبر من نوعها التي شهدتها دولة أفريقية منذ الاستقلال.

وشهدت إريتريا في عام 2002م سلسلة من الزيارات العسكرية الأمريكية، كان أبرزها زيارة "تومي فرانكس" قائد القيادة المركزية في مارس، وزيارة وزير الدفاع "دونالد رامسفيلد" في ديسمبر، والتي التقى خلالها بالرئيس الإريتري أسياس أفورقى، وبحثا خلالها السماح للقوات الأمريكية باستخدام المنشآت العسكرية والموانئ والمطارات الإريترية، وتبادل المعلومات في مجال مكافحة الإرهاب، وجاءت تلك الزيارة في إطار الجولات التي قامت بها الوفود الأمريكية لدول المنطقة المختلفة التي شملت كينيا وأوغندا وإثيوبيا، بهدف تنسيق الجهود لتحقيق الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب في شرق أفريقيا.

وقد اجتمع الرئيس جورج بوش بكل من الرئيس الكيني "دانييل أراب موى" ورئيس الوزراء الإثيوبي "ميليس زيناوى" أثناء زيارتهما لواشنطن في ديسمبر 2002م في لقاء ثلاثي تناول سبل تدعيم التعاون على الأصعدة سالفة الذكر، حيث أعلنت الإدارة الأمريكية أنها سوف تقوم بتغطية التكاليف المادية والمالية اللازمة لمكافحة الإرهاب لهاتين الدولتين باعتبارهما لا تملكان الموارد اللازمة لهذا الغرض. وعقب عودة رئيس الوزراء الأثيوبي من زيارة الولايات المتحدة صرح بأن الجماعات الإرهابية لا تزال نشطة في الصومال، وأن تفجيرات مومباسا تم التخطيط لها داخل الصومال على يد خلايا تابعة لتنظيم "القاعدة" في معسكرات تدريب على الحدود بين الصومال وكينيا!

وتنطلق محاولات إثيوبيا لإقناع واشنطن بضرب الصومال من الاعتقاد بأن النكسات السياسية، التي هددت مقومات الإنسان الصومالي منذ الحكم الماركسي، وما تلاها من حروب أهلية ومجاعات مدمرة لم تؤد إلى تفريغ الإنسان الصومالي من مضمونه الإسلامي، ولا تقليص ثوابته التاريخية في وجدانه؛ الأمر الذي بات يشكل مصدر إحباط  وإزعاج للنظام الإثيوبي؛ حسب تصريحات رئيس وزراء إثيوبيا لوكالة الأنباء (رويترز) في نهاية فبراير 2002م.

الأرض المباحة:

شنت مقاتلات أمريكية عدة غارات على جزر صومالية في يوليو 2003م، بزعم وجود "إرهابيين" على تلك الجزر؛ ويعتقد أن المقاتلات أقلعت من قاعدة "ليمونييه" العسكرية في جيبوتي أو من إحدى حاملات الطائرات الأمريكية الموجودة في البحر الأحمر.

وقد استنكرت الحكومة الانتقالية الصومالية الهجوم -الذي يعد أول عملية عسكرية من نوعها تنفذها القوات الأمريكية في الصومال منذ انتشار القوات الأمريكية في القرن الأفريقي بداية عام 2003م- في حينه؛ وكانت أغلب عمليات القوات الأمريكية مقتصرة على مراقبة السواحل والجزر الصومالية وتفتيش السفن التجارية المتجهة من وإلى الصومال.

وفي معرض رد الجنرال "جون ساتلر" -قائد القوات الأمريكية في منطقة القرن الأفريقي المتمركزة في جيبوتي- على استنكار الحكومة الانتقالية لخطوات كهذه صرح (في فبراير 2003م) بـ"أن القيام بأي عمليات لمكافحة الإرهاب في الصومال لا يستدعي الرجوع للمسئولين بالصومال، حيث لا توجد سلطة مركزية هناك يمكن التعامل معها، وأنه يتم الاكتفاء في هذه الحالة بالأوامر الصادرة من القيادة العليا في الولايات المتحدة"؛ مؤكدا بأن واشنطن لديها إمكانيات استخباراتية كافية في جميع دول منطقة القرن الأفريقي الأخرى، وأنها تأخذ موافقتها قبل قيامها بأي عملية موجهة ضد من أسماهم بالعناصر الإرهابية في المنطقة.

وأعرب "ساتلر" عن ارتياح بلاده لتعاون أثيوبيا معها في مكافحة الإرهاب وقال: "أثيوبيا شريك مهم في الحرب الموجهة ضد الإرهاب العالمي في هذه المنطقة؛ وهذا يعني أننا ملتزمون بتقديم مساعدات متنوعة لأثيوبيا، ونلبي طلبات القيادات الأثيوبية فيما يتعلق بالتدريبات العسكرية المتقدمة لمكافحة الإرهاب والإرهاب المضاد"؛ وأضاف بأن هناك تعاون مع أثيوبيا في مجال تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخاصة المعلومات التي تتعلق بما يحدث في الصومال، مشيراً إلى أنه "بإمكان القوات الأثيوبية تنفيذ عمليات ضد هذه الأهداف في الوقت المناسب".

وقال "ساتلر": "استُقبلنا استقبالا حارا في كل دول المنطقة من واقع أنه في حالة تعاوننا الجمعي يمكن أن ننجز في هذه الحرب الموجهة ضد الإرهاب أفضل مما ينجزه كل بلد بمفرده".

هذه الأرض المباحة أعطت إسرائيل فرصة النفوذ والتوغل في القرن الأفريقي، فقد طلب وزير الخارجية الإسرائيلي "سيلفان شالوم" من وزير الخارجية الكيني "كالونزو ماسيوكا" -على هامش زيارة الأخير لتل أبيب- مشاركة إسرائيل في مؤتمر السلام الصومالي الذي عقد في العاصمة نيروبي عن طريق منحها صفة مراقب، وفقا لما ورد في صحيفة "الحرية" اليومية الصومالية بتاريخ 23/9/2003م. ونقلت الصحيفة عن مصادر كينية -لم تسمها- قولها بأن الحكومة الإسرائيلية بصدد منح مبلغ مالي غير معلوم لصالح تمويل المؤتمر الصومالي الذي تتعثر فيه المفاوضات بين الفصائل الصومالية المتناحرة!

بل حاولت الحكومة الإسرائيلية مرارا المشاركة في مؤتمرات المصالحة التي عقدت حول الصومال في الأعوام الماضية، لكنها لم تتمكن من المشاركة بفعالية سوى في مرة واحدة بمؤتمر المصالحة الذي عقد في أديس أبابا عام 1993م، وقدمت في حينه تبرعا بمقدار 3 ملايين دولار كمساعدات إنسانية للاجئين الصوماليين الذين نزحوا إلى البلدان المجاورة، لكنها لم تحصل على إذن بالمشاركة في المؤتمرات الأخرى التي عقدت في القاهرة عام 1997م وطرابلس بليبيا عام 1998م، وجيبوتي عام 2000م.

وتحاول إسرائيل التغلغل إلى الصومال عبر عدة منافذ منها:

- الدعم المالي للحكومة وللفصائل والمليشيات القائمة.

- دخول الشركات التجارية إلى الساحة الصومالية وإيجاد موطن قدم لها هناك.

- التواصل مع قيادات الفصائل وزعماء القبائل وكسب ولائهم لها.

يشار إلى أن الوجود الإسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي يقتصر على تمثيل دبلوماسي محدود في كل من إثيوبيا وإريتريا وكينيا، إلى جانب نشاط استخباراتي مشترك ومكثف مع أجهزة الأمن في هذه الدول. وقد حذر يوسف حسن إبراهيم -وزير الخارجية الصومالي السابق- في مقابلة مع موقع "إسلام أون لاين" في 15/8/2002م من "سعي إسرائيل للتوغل في المجتمع الصومالي"!

الصومال والفشل العربي:

شكلت الجامعة العربية عقب اندلاع الأزمة الصومالية لجنة سباعية عربية (مصر والسودان والسعودية وقطر وجيبوتي واليمن وتونس) لمتابعة الملف الصومالي، إلا أن هذه اللجنة لم يعرف عنها نشاط يذكر منذ ذلك التاريخ.

وظل التنافس فيما يتعلق بسبل تسوية المشكلة خفيا بين القوى الإقليمية المتمثلة في توجهين: توجه عربي وآخر أفريقي متحالف مع الغرب.

وعلى الرغم من جهود جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي في تحقيق المصالحة بين الفصائل المتناحرة، إلا أتهما فشلتا في تحقيق نجحات تذكر، واكتفت المنظمتان بدعم ومساندة الجهود الفردية التي بذلتها بعض الدول الأعضاء كمصر وجيبوتي واليمن، هذا إلى جانب إصدار عدد من القرارات والخطط لحل المشكلة لكنها لم تجد طريقها للتطبيق!

ولم تنس قرارات وبيانات الجامعة العربية على مستوى القمة أو الوزراء أو المندوبين ذكر الصومال طيلة فترة الحرب الأهلية، مؤكدة على الوحدة والسلامة الإقليمية للصومال ورفض التدخل في شئونه الداخلية، ودعوة الفصائل المتقاتلة للجلوس إلى طاولة الحوار، لكنها جميعا ظلت حبيسة الأدراج؛ وبقيت الجهود العملية جهودا ذاتية ومبادرات فردية من بعض الدول الأعضاء؛ مما أطال من أمد الحرب الأهلية ووضع الملف الصومالي على طاولة "اللئام" إن جاز التعبير!

وعلى الرغم من عقد عدد من الاجتماعات لبحث مبادرات السلام الصومالية في عدد من العواصم العربية (القاهرة وصنعاء وطرابلس وجيبوتي) فإن هذه التحركات كانت مبادرات فردية من قبل هذه الدول ولم تكن مبادرة عربية جماعية. حتى الالتزامات التي خرجت بها القمة العربية في 2001م بإنشاء "صندوق دعم الصومال" ذهبت أدراج الرياح.

كما أن الجهود العربية لتحقيق المصالحة تعثرت ولم تحقق شيئا يذكر على أرض الواقع، نظرا لانعدام الدعم وتأثير الدول الإقليمية في إفشال الجهود السائرة بعيدا عن مصالحها ومطامعها في الصومال؛ وبعد أحداث 11 سبتمبر بدت الدول العربية منشغلة بنتائجها على الصعيد السياسي والأمني والعسكري؛ وهو ما أتاح لدول الجوار التفرد بملف القضية بعيدا عن الجامعة (والدول) العربية!

وقد وجهت أطراف صومالية عدة انتقادات واسعة إلى الجامعة العربية لعدم اتخاذها مبادرات فعالة تجاه القضية الصومالية، حيث اقتصر دورها فقط على مباركة المبادرات الخارجية الهادفة إلى إحلال السلام في الصومال.

لقد بذلت دولة جيبوتي بالتنسيق مع الفصائل المتصارعة والمتحاربة جهدا في انعقاد المؤتمر الثالث عشر للمصالحة الصومالية، والذي عقد بمنتجع عرته بجيبوتي عام 2000م، وخرج بإعلان "الميثاق الوطني" واختيار قاسم صلاد حسن رئيساً لما سمّي بالحكومة الوطنية الانتقالية، بالإضافة إلى تشكيل مجلس برلماني مؤقت لمدة 3 سنوات غير قابلة للتمديد.

وقد حظيت هذه الخطوة في حينها بدعم قوي من مصر واليمن وأطراف عربية أخرى، وكان أن شغل مقعد دولة الصومال في مجلس جامعة الدول العربية والمؤتمر الإسلامي والأمم المتحدة بعد فراغ دام قرابة عقد كامل!

ومن الملحوظ أن محادثات المصالحة الصومالية والسودانية كلاهما انعقدت في كينيا، بدلاً من أي بلد عربي، وهو ما يعكس برأي المراقبين فشل وعجز الجامعة العربية والدول العربية في حل أزمات الدول الأعضاء، وتسليمها للإرادة الخارجية.

وقد عُقد 14 مؤتمر مصالحة صومالية منذ 1991م، كلها في عواصم عربية وأفريقية، لكن لم ينجح واحد من هذه المؤتمرات في احتواء الخلافات بين الأطراف الصومالية، وكان أكثر المؤتمرات قربا من الوفاق هو مؤتمر عرتة.

ويذكر أن مصر وليبيا هما البلدان العربيان الوحيدان اللذان احتفظا بسفارتيهما مفتوحتين في مقديشو، حيث تعمل فيهما بعثات دبلوماسية مقيمة، وذلك منذ انهيار الحكومة المركزية، كما تعتبر مصر وليبيا من أكبر الداعمين للحكومة الانتقالية (السابقة) بقيادة عبد القاسم صلاد! رغم قلة ما قدماه!

وتأتي اليمن في مقدمة الدول التي حرصت على إنجاح جهود المصالحة بين الأطراف الصومالية، معتبرة أن أمن واستقرار الصومال ينعكس بالضرورة على الأمن في المنطقة عموماً، خاصة وأن اليمن هي من أوائل الدول التي تأثرت بمضاعفات الصراع بحكم جوارها للصومال، فقد تدفق إليها آلاف النازحين! ومثلوا عبئا إضافيا على أوضاع الدولة المأساوية!

وقد قدمت حكومة اليمن للحكومة الصومالية المؤقتة برئاسة صلاد معونات مادية وأسلحة؛ لكنها وبحسب تصريح يوسف حسن إبراهيم وزير الخارجية في الحكومة الصومالية المؤقتة لصحيفة "البيان" الإماراتية في 23/1/2004م لم تدم!

الصومال وعلاقاته الإقليمية*:

1.      جيبوتي - الصومال:

اتخذت العلاقات الجيبوتية الصومالية منحى عكسياً للعلاقات الإثيوبية الصومالية حيث وقفت جيبوتي بقوة إلى جانب الحكومة الصومالية الانتقالية في مواجهة محاولات إثيوبيا اعتبارها مجرد فصيل من الفصائل المتناحرة في الصومال، وكذا في مواجهة تجاوز مقررات مؤتمر عرتا في أي جهود مصالحة تالية، وقد أدى ذلك التعارض في المواقف بين الجانبين الجيبوتي والإثيوبي وتمسك جيبوتي بموقفها إلى انسحاب جيبوتي من اللجنة الفنية الثلاثية التي شكلتها منظمة الإيجاد بعضوية إثيوبيا وكينيا وجيبوتي لتنظيم مؤتمر للمصالحة وإعداد الترتيبات اللازمة له. وهو ما أدى إلى تبادل إثيوبيا وجيبوتي الاتهامات بالسعي إلى إفشال مؤتمر المصالحة الصومالية، حيث أكد إسماعيل عمر جيلى رئيس جمهورية جيبوتي مرات عديدة إن إثيوبيا تعرقل جهود المصالحة الصومالية، وفي المقابل ادعت إثيوبيا أن جيبوتي تتمسك بحكومة غير معترف بها وتريد أن تفرضها على منظمة الإيجاد.

وقد شهد العام 2002م العديد من المباحثات الثنائية الجيبوتية الصومالية على مختلف المستويات، وجرت لقاءات بين عبد القاسم صلاد رئيس الحكومة الصومالية الانتقالية وإسماعيل عمر جيلى رئيس جمهورية جيبوتي لتنسيق المواقف فيما يتعلق بمجريات الأحداث الداخلية والإقليمية وبخاصة على صعيد مؤتمر المصالحة.

وكانت جيبوتي أول دولة يقوم بزيارتها الحاكم الجديد لجمهورية "أرض الصومال" طاهر ريالى كاهن الذي تولى الحكم بعد وفاة محمد إبراهيم عقال في مايو 2002م، وذلك على خلاف كافة التوقعات بأن تكون أول زيارة خارجية له صوب إثيوبيا الحليف الرئيسي للإقليم.

ومن ناحية أخرى، وعلى أثر هزيمته أمام عبد الله يوسف واستيلاء الأخير على إقليم "بونت لاند" فر جامع علي جامع أحد قادة الفصائل المتنازعة على السلطة في ذلك الإقليم إلى جيبوتي قبل أن يبدأ من جديد حشد قواته لاستعادة نفوذه في الإقليم.

2.      إريتريا - الصومال:

أرتبط الموقف الإريتري من الأزمة الصومالية ومساعي تسويتها بطبيعة العلاقات الإريترية الإثيوبية، حيث أن الدولة الإريترية قد نشأت في ظل انهيار دولة الصومال، وبالتالي لم تكن هناك علاقات بين الطرفين. وقد عبرت القيادة الإريترية عن رؤيتها لأسباب الأزمة الصومالية فأكدت على أن التدخلات الإثيوبية لها دور كبير في المشاكل الداخلية في الصومال لحرصها على أن يظل الصومال مهمشاً ولا يمثل خطراً على إثيوبيا، ومن أجل فرض الهيمنة الإثيوبية في المنطقة ككل، وفي ضوء تلك الرؤية الإريترية لحقيقة الأزمة الصومالية وفي ظل استمرار تردى العلاقات الإثيوبية الإريترية، وقفت الدولتان على طرفي نقيض فيما يتصل بالحل الواجب اتباعه في التعامل مع هذه المشكلة. حيث وقفت إريتريا إلى جانب الحكومة الانتقالية في الصومال؛ وحرصت وسائل الإعلام الإريترية على إبراز التعاون الإثيوبي مع القوى الصومالية المناوئة للحكومة المؤقتة في الصومال ودعم إثيوبيا لقوى الانفصال وأمراء الحرب هناك.

وشهد عام 2002م قيام علاقات دبلوماسية بين إريتريا والحكومة الانتقالية الصومالية حيث قدم السفير الإريتري أوراق اعتماده إلى رئيس وزراء الصومال في شهر فبراير 2002م مع كونه يتخذ نيروبى مقراً له. كما قام الجنرال إسماعيل قاسم قائد القوات المسلحة الصومالية بزيارة لإريتريا في شهر مارس أجرى خلالها مباحثات مع المسئولين الإريتريين.

3.      إثيوبيا - الصومال:

واصلت حكومة إثيوبيا استغلال شعار مكافحة الإرهاب لتبرير ممارساتها تجاه الصومال، والتي وصلت إلى حد التدخل العسكري المباشر في بعض المناطق الحدودية بزعم مطاردة عناصر إرهابية والدفاع عن مصالح إثيوبيا الحيوية، مما أدى إلى مزيد من تردى العلاقات بين الحكومة الانتقالية الصومالية والنظام الإثيوبي، حيث تقدمت الحكومة الصومالية بشكوى إلى المنظمات الدولية والإقليمية ضد التدخلات الإثيوبية في شئونها الداخلية ودعمها قوى المعارضة المناوئة للحكومة الصومالية الانتقالية، وعرقلتها مساعي المصالحة في البلاد والسعي لتدمير الصومال.

وعلى الرغم من نفي الحكومة الإثيوبية الاتهامات الصومالية، إلا أن الشواهد تشير إلى تدخل إثيوبي فاعل ومؤثر في الساحة الصومالية اتخذ عدة صور وأشكال منها:

مواصلة دعم زعماء الفصائل الصومالية المناوئة للحكومة الانتقالية، وكذا الأقاليم الانفصالية في كل من الشمال الشرقي والغربي للبلاد أو ما يعرف بجمهورية أرض الصومال وبونت لاند.

التوغل العسكري والأمني لنظام إثيوبيا تحت ما اعتبره رئيس الوزراء الإثيوبي غياب حكومة قوية تبسط قوتها وهيمنتها على جميع أجزاء الصومال، معتبرا أن من حق إثيوبيا الحفاظ على أمنها والدفاع عن نفسها حتى ولو تطلب الأمر التفاوض مع الفصائل الأخرى، مؤكدا أن القوات الإثيوبية عبرت الحدود في مناسبات متعددة عندما كانت مصالح البلاد الأساسية في خطر.

مواصلة نظام إثيوبيا اتهامه للحكومة الانتقالية الصومالية بدعم الإرهاب وأنها ضمت إلى قوات شرطتها عناصر كثيرة من المحاكم الإسلامية المنتمية إلى تنظيم الاتحاد الإسلامي المدرج في قائمة الإرهاب الأمريكية، كما طالبت إثيوبيا دول الإيجاد بمعاملة الحكومة الانتقالية كفصيل من الفصائل الصومالية، الأمر الذي أدى إلى مواجهة ساخنة بين الوفد الصومالي والوفد الإثيوبي في إطار اجتماعات منظمة الإيجاد.

وتجدر الإشارة أن الحكومة الإثيوبية تحتفظ بصلات قوية ووثيقة مع القوى الصومالية المناوئة للحكومة الانتقالية وكذا مع كل من إقليم بونت لاند وأرض الصومال التي وقعت اتفاقات تعاون تجارية وأمنية معها في فبراير 2002م!

4.      كينيا - الصومال:

طرحت كينيا خلال العام 2002م استضافة مؤتمر مصالحة يضم مختلف الفصائل الصومالية المتناحرة والأطراف الإقليمية والدولية المهتمة بالمشكلة.

ويمثل ذلك الطرح استكمالاً وامتداداً لجهود كينيا السابقة على هذا الصعيد والتي كان آخرها استضافتها مؤتمراً للمصالحة بين الحكومة الانتقالية والفصائل المعارضة في نوفمبر نهاية عام 2001م، والذي أعقبه مؤتمر موسع في ديسمبر من نفس العام أسفر عن توقيع اتفاقيات منفصلة بين الحكومة وثلاثة من الفصائل المعارضة.

وإعمالاً لمقررات قمة الإيجاد بعقد مؤتمر موسع للمصالحة الصومالية عاودت كينيا من جديد عرض استضافة ذلك المؤتمر الذي سعت السودان من جانبها إلى عقده على أرضها باعتبارها رئيس دورة الإيجاد، كما شاركت كينيا في اللجنة الفنية الثلاثية المسئولة عن الإعداد لمؤتمر المصالحة الذي تقرر -وتم عقده- في نيروبي في أكتوبر 2002م. وفي هذا الإطار قامت حكومة كينيا بالسعي إلى إزالة الخلافات التي نشبت بين جيبوتي وإثيوبيا بشأن طبيعة تمثيل الفصائل الصومالية والأطراف المشاركة في المؤتمر، وكذا وضع مقررات وقرارات مؤتمر عرتا في إطار الترتيبات الخاصة بالأعداد للمؤتمر.

وتعتبر قضية اللاجئين الصوماليين في كينيا إحدى القضايا الحرجة في العلاقات بين الدولتين في ظل ما تسفر عنه المواجهات المسلحة بين الميليشيات الصومالية من تدفق للاجئين على الحدود الكينية، وما يصاحب ذلك من ضغوط على الحكومة الكينية اضطرتها في العام 2002م إلى استخدام القوة لإعادة آلاف اللاجئين الصوماليين إلى بلداتهم تخلصاً من أعبائهم.

5.      السودان - الصومال:

استمر موقف السودان من القضية الصومالية مؤيداً للحكومة المؤقتة ومؤكدا على ضرورة التوصل إلى حل سلمى يحقق الاستقرار والوحدة للبلاد، وعلى الرغم من أن السودان ليس له دور فاعل في عملية التسوية الصومالية فإن التداعيات الدولية في المنطقة قد دفعت بالجانبين الصومالي والسوداني إلى ركن واحد في ظل الاتهامات الموجهة للجانبين بدعم وإيواء عناصر إرهابية، فضلاً عن اتهام السودان بدعم تنظيم الاتحاد الإسلامي الصومالي وتسهيل انتقال أفغان عرب إلى الساحة الصومالية، وهى الاتهامات التي ترجع بجذورها إلى ما قبل أحداث 11 سبتمبر، وأعادت إريتريا إحياءها والتأكيد عليها في إطار إدارتها للأزمة التي اعترت العلاقات بينها وبين السودان، في الوقت الذي نفت فيه حكومة السودان أي علاقة لها بالتنظيمات الإرهابية.

وقد بذلت السودان جهودا حثيثة من خلال المنظمات المختلفة للمساهمة في حل القضية الصومالية، فقد قررت قمة دول المنظمة الحكومية لتنمية شرق أفريقيا، التي عقدت في يناير 2002م في الخرطوم، عقد مؤتمر للمصالحة الصومالية في العاصمة الكينية نيروبي في غضون شهرين يضم جميع الأطراف المتحاربة في الصومال. كما أعربت القمة الرابعة لدول تجمع الساحل والصحراء -ومنها السودان، التي عقدت في مارس 2002م بمدينة سرت بالجماهيرية الليبية، عن تأييدها الحكومة الصومالية الانتقالية ومناشدة المجتمع الدولي الأمم المتحدة والمنظمات الأفريقية توحيد الجهود لتحقيق المصالحة الوطنية في ذلك البلد. كما أنها تبذل بالشراكة مع مجلس اتفاق صنعاء الثلاثي، سبل تحقيق الاستقرار والأمن في المنطقة.. ومنها قضية الصومال.

إثيوبيا.. والوكيل المعتمد:

تضم الإيجاد في عضويتها كلا من السودان والصومال وجيبوتي وأثيوبيا وإريتريا وكينيا وأوغندا. وهي تحظى بدعم أمريكي واضح في جهودها تجاه الصومال رغم انحيازها الواضح لكل من كينيا وأثيوبيا، اللتان تسعيان لتحقيق مصالحهما الإقليمية ومصالح الغرب الصليبي في المنطقة.

والعداء بين إثيوبيا والصومال عداء قديم، وهو يقوم على أساس اختلاف الدين والهوية، وقد عمل الاستعمار على تعزيز هذا العداء وتوفير المبررات لاستمراره على الأرض. كما أن إثيوبيا لا تخفي أطماعها في الصومال، وقد حاولت احتلال الصومال عسكريًا أواخر عام 1996م، حيث سيطرت على ثلاث مناطق في الجنوب؛ لكنها تراجعت عسكريًا نتيجة ضغوط دولية بعد أن قدم رئيس الوزراء الصومالي السابق في الحكومة الانتقالية الدكتور علي خليف جلير شكوى إلى الأمم المتحدة بهذا الخصوص.

وعلى عكس ما كان متوقعا، ومنذ بداية المشكلة الصومالية، كلفت منظمة الوحدة الأفريقية إثيوبيا أن تكون المسئولة عن المصالحة الصومالية؛ وقد عقدت بدورها مؤتمرات عدة في أديس أبابا لهذا الغرض لكنها جميعا لم تثمر؛ لأن القصد منها لم يكن حل القضية! فإثيوبيا لديها أهداف محددة من وراء المصالحة الصومالية تريد تحقيقها، من بين هذه الأهداف:

1- صياغة دستور الصومال وفق رؤية علمانية، تستبعد هوية هذا البلد الإسلامية والعربية:

وقد كشف السفير الصومالي بالقاهرة عبد الله حسن محمود عن تعرض الفصائل الصومالية لضغوط من قبل منظمة "الإيجاد" المشرفة على مفاوضات السلام الصومالية من أجل علمنة الدستور الانتقالي الجديد للبلاد، لكنه أكد على أن الفصائل أصرت على جعل الشريعة الإسلامية أحد مصادر التشريع!! مشيرا إلى إمكانية تعديل مسودة المشروع مرة أخرى لجعل الشريعة المصدر الرئيس للتشريع.

وقال السفير في ندوة عقدها معهد البحوث والدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة في 15/3/2004م: إن الإيجاد طرحت مسودة دستور جديد للصومال، خلال الجولة الثالثة من مباحثات السلام الجارية حاليا بين الفصائل الصومالية في العاصمة الكينية نيروبي؛ مضيفا بأن كينيا وأثيوبيا مارست ضغوطا على الفصائل الصومالية من أجل أن يصبح دستور البلاد علمانيا تماما، لكن الفصائل رفضت هذا الطرح وأصرت على أن يكون الإسلام هو المصدر الرئيس للتشريع كما كان الحال من قبل، وقال محمود: "هذا الدستور قابل للتعديل من الصوماليين أنفسهم بعد العودة لمقديشو، خاصة أن الدول التي صاغته ترغب في سلخ الصومال عن هويته العربية والإسلامية". كما أضاف السفير: بأن "كينيا وأثيوبيا حاولتا إقناع قادة الفصائل بجعل الإنجليزية اللغة الرسمية في الدستور الجديد، وأن تأتي العربية في المرتبة الثالثة بعد الصومالية، إلا أنهم اعترضوا بشدة على اعتبار أن العربية هي لغة القرآن الكريم، وبالفعل تمت الاستجابة لطلبهم".

لقد صرح الكولونيل "تسفاي" عام 2001م عن نوايا إثيوبيا الدفينة، حين شدد على أن النظام الإثيوبي لن يسمح بقيام دولة عربية إسلامية في الصومال.

2- تقسيم الصومال إلى عدة أقاليم، كل إقليم له سيادته وإدارته الخاصة، وذلك باسم -الجمهورية الفيدرالية الصومالية، وسيكون ذلك على حساب حكومة مركزية قوية، مع تنازل الفصائل الصومالية عن طموحها في استعادة إقليم "أوجادين" التابع حاليًا لإثيوبيا.

في 5/7/2003م اتفق عدد من قيادات الفصائل الصومالية في نيروبي على تشكيل حكومة فيدرالية تتولى إدارة شؤون البلاد لمدة أربع سنوات، وتشكيل حكومة فيدرالية انتقالية وبرلمان من 351 عضوًا للفترة ذاتها؛ وقد اعترض الرئيس الصومالي عبد القاسم صلاد في مؤتمر صحفي عقده في نيروبي في 29/7/2003م على الاتفاق، وقال: إن "الاتفاق الذي وقعته الأطراف الصومالية -من جانب واحد- والدستور الانتقالي الذي عُرض على المفاوضين يمسان هوية الصومال العربية، ويؤديان إلى بلقنة الصومال وتفتيتها إلى دويلات صغيرة تحت اسم الفيدرالية"، واتهم الرئيس الصومالي إثيوبيا -وهي إحدى الدول الثلاثة المنظمة للمؤتمر- بأنها السبب في انهيار المفاوضات؛ حيث أصرت على صياغة أجندة المؤتمر بما يتفق وسياساتها الرامية إلى الهيمنة على مستقبل الصومال من خلال "عملاء" موالين لها.

وقد اتهم رئيس الوزراء السابق حسن أبشر (في مقابلة أجرتها معه الإذاعة البريطانية -القسم الصومالي) النظام الإثيوبي بمحاولة القضاء على الدولة الصومالية كلياً!

3- اختيار قيادة موالية أو قريبة لها:

يقول يوسف حسن إبراهيم وزير الخارجية في الحكومة الصومالية المؤقتة لصحيفة "البيان" الإماراتية في 23/1/2004م: إن هذا المؤتمر (نيروبي) لا يدار من خلال الصوماليين، فمنذ البداية حرصت الدول المجاورة للصومال على أن تدير شئونه بشكل مباشر مما خلق حالة تخبط في الإدارة ومن ضمن هذه التخبطات أن هذه الدول لم تكن حيادية فيما يتصل بالفصائل والأطراف، فكانوا يفضلون بعض القيادات ولا يتقبلون الآخرين.

لقد صرح الرجل الأول في الصومال اليوم -والذي تباركه إثيوبيا- عبد الله يوسف بأن الصومال لا تمت بأية صلة إلى المنطقة العربية، وزاد في تصريح آخر له بأنه قد يلجأ إلى إسرائيل بدلاً من العرب مؤكدا على أن انضمام الصومال إلى جامعة الدول العربية جاء بفعل انتهازية سياد برى وأطماعه على حساب انتماء الصومال الإفريقي!!

4- الحد من جميع الأنشطة الإسلامية في الوطن، حتى قال مليس زيناوي: "لا بد من تغيير مناهج التعليم في الصومال، وإلا ستصبح يومًا ما (طالبان) جديدة في القرن الأفريقي"؛ وفي حديث صحفي أدلى به لوكالة رويترز (في 19/2/2002م) أشار إلى وجود أدلة عنده تثبت "علاقة الحكومة الصومالية بالاتحاد الإسلامي"، في محاولة للتحريش بالحكومة الصومالية في حينه!

وقد حرصت إثيوبيا رغم فشل جهودها على حضور مؤتمرات المصالحة التي كانت تعقد في العاصمة الكينية نيروبي وبشكل مكثف. ويأتي ذلك حرصا منها على أن تكون الوكيل المعتمد لواشنطن في المنطقة والشريك الرئيس لها في حملتها على "الإرهاب" لتصفي في ظلها الخصوم التقليديين لها في الصومال أو "الأوجادين" أو "شعب الأرومو المسلم"!

-----------------

* راجع كتاب " خمس سنوات في بيت من زجاج" لبطرس غالي.

* يراجع التقرير الإستراتيجي العربي، نقلا عن موقع مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بمؤسسة الأهرام.

استطلاع رأي

ما هو تقييمك للموقع الجديد؟

مركز الاعلام

الصحف الكويتية تتناول أخبار مؤتمر (وحدة الخليج والجزيرة العربية) وتشير إلى مشاركة رئيس المركز في فعالياته...

في مؤتمر اتفاقيات المرأة بالمنامة: خبراء ومفكرون عرب يحذِّرون من اتفاقيات دولية تدعو إلى المعارضة للدين والأخلاق بالإباحية

دراسة تحذر من مآلات (أزمة الجنوب) وشبح التقسيم

صحيفة الغد: دراسة تحذر من تنامي ظاهرة "العنف الإسلامي" مستقبلا

قضايا المرأة اليمنية بمنظور الشرع والتقاليد والواقع

26 سبتمبر: (العنف في اليمن) كتاب لـ(أنور الخضري)

عقلية علمانية أم مطلب حقوقي؟ جدل الحركة النسوية في اليمن يعيد مصطلحات الخلافات الأيدلوجية

معرض الصور

المزيد

معرض الملتميديا

المزيد
2018