السبت 8 جمادى الآخر 1439 هـ الموافق 24 فبراير 2018 م

أبحاث ودراسات

أوضاع الصومال في القرن الأفريقي وأثرها على الأمن في إقليم البحر الأحمر 3 - 3

السبت 12 شعبان 1428 هـ    

عدد الزيارات : 346

جهود المصالحة الصومالية:

عقد لغرض المصالحة الصومالية 14 مؤتمرًا باستضافة إثيوبيا وكينيا ما عدا مؤتمر القاهرة وجيبوتي وطرابلس، وجميع هذه المؤتمرات لم تكلل بالنجاح غير مؤتمر جيبوتي الذي تمخضت عنه حكومة انتقالية؛ ولم تكن المشكلة كما يرى المراقبون من الصوماليين بل من بعض دول الجوار والقوى الدولية!

وهذه أبرز محطات المصالحة الصومالية:

في ديسمبر عام 1997م رعت القاهرة مبادرة للمصالحة الصومالية، وفي عام 1998م رعت ليبيا مبادرة مماثلة، وكان بينهما نوع من التنسيق في تحقيق السلام في الصومال، غير أن المبادرتين لم تثمرا وقتها.

في عام 1999م، قدم الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلي في الأمم المتحدة مبادرة للمصالحة الصومالية، عرفت بـ (مبادرة جيلي) للمصالحة، وبالفعل استطاعت جيبوتي جمع أكثر من 2000 شخص من جميع مناطق الصومال، ليشكلوا -بعد مشاورات استغرقت شهورًا- أول حكومة حظيت باعتراف العالم، وترأسها عبد القاسم صلاد حسن؛ إلا أن بعض الفصائل الصومالية رفضت الاعتراف بهذه الحكومة، وشكلت "مجلس المصالحة الصومالي" المعارض الذي اتخذ من إثيوبيا مقرًّا له.

في عام 2001م، جرت عدة محاولات للمصالحة: ففي مارس اعتمدت جامعة الدول العربية قراراً حثت فيه الفصائل الصومالية على دعم الحكومة الوطنية المؤقتة. في حين اجتمع عدد من قادة الفصائل المناهضة للحكومة الوطنية الانتقالية في إثيوبيا، وشكلوا "مجلس المصالحة وإعادة البناء الصومالي"؛ وكان هدفهم المعلن هو عقد مؤتمر في العام 2002م يفضي إلى تشكيل "حكومة انتقالية تمثيلية للوحدة الوطنية". وفي مايو أعلنت الحكومة الوطنية الانتقالية أنها عينت لجنة وطنية للمصالحة. وفي ديسمبر استضافت الحكومة الكينية مؤتمراً شارك فيه رئيس الحكومة الوطنية الانتقالية وعدد من قادة الفصائل بهدف تحقيق المصالحة بين الطرفين؛ إلا أن قادة الفصائل الرئيسية المنضوية تحت مجلس المصالحة وإعادة البناء الصومالي قاطعت المحادثات ورفضت النتائج.

في 15/12/2002م، عقدت منظمة الإيجاد مؤتمرا للمصالحة في مدينة الدوريت الكينية، وهو المؤتمر الخامس عشر الذي يعقد في الخارج بشأن الصومال، كما أنه أوسع المؤتمرات الصومالية التي عقدت لحل المشكلة الصومالية منذ اندلاع الأزمة الصومالية عام 1991م. وقد شارك فيه للمرة الأولى جميع الأطراف الصومالية بما فيها الحكومة الانتقالية وعشرات من قادة الفصائل المسلحة المعارضة؛ ولم يتغيب عن المؤتمر سوى طرف واحد هو ما يعرف بجمهورية "أرض الصومال".

في يناير 2003م دخلت المفاوضات الصومالية بكينيا مأزقا حادا بعد أن أصدرت اللجنة الفنية المنظمة للمؤتمر قائمة جديدة بأسماء المشاركين في المرحلة الثالثة من المفاوضات، التي تختلف عن القائمة السابقة التي اعتمدتها اللجنة. وأعلن اثنان من قادة الفصائل الصومالية المشاركة في المؤتمر الانسحاب من المفاوضات بسبب عدم تحقيقها لأي نتائج ملموسة منذ افتتاحها في منتصف أكتوبر 2002م –حسب زعمهم؛ وهما "موسى سودي يلحو" رئيس جناح المؤتمر الصومالي الموحد الذي يسيطر على أجزاء من العاصمة، و"بري هيرالي" زعيم تحالف وادي جوبا الذي يسيطر على محافظتي جوبا السفلى وجوبا الوسطى في جنوب الصومال؛ واعتبر الرجلان في تصريح لهما في 13/1/2003م بأن المفاوضات الجارية –في حينه- عبارة عن مضيعة للوقت، وانتقدا ما وصفاه بتدخلات جهات خارجية للتأثير على سير المفاوضات.

كما انسحب من المفاوضات الرئيس الصومالي السابق علي مهدي محمد بعد أيام قليلة من بدايتها في مدينة الدوريت الكينية؛ وقال مهدي الذي كان يتحدث لوسائل الإعلام آنذاك بأن المشاركين في المؤتمر غير مطلقي الأيدي في التوصل إلى ما يريدونه، واتهم مهدي الحكومة الإثيوبية بأنها تتدخل بشكل مباشر في تسيير المؤتمر وتوجيهه إلى أن يسفر عن نتيجة توافق مصالحها في الصومال من خلال حلفائها داخل الفصائل الصومالية.

وفي أبريل 2003م رفض الرئيس الصومالي السابق عبد القاسم صلاد دعوة وجهتها إليه الحكومة الكينية للمشاركة شخصيًا في مفاوضات مؤتمر المصالحة الذي كان منعقدا في نيروبي؛ تمهيدا لجولة ثالثة من المفاوضات. وقد نشب خلاف حاد بين الأطراف المشاركة في المؤتمر حول التقسيم النهائي للسلطة المركزية في البلاد؛ فمعظم قادة الفصائل يطالبون باقتسام السلطة على أساس فصائلي تخضع له حكومة صلاد مثل باقي الفصائل، ووفقًا للحجم العسكري والقبلي لكل طرف من هذه الأطراف، ويطالب آخرون باقتسام السلطة على أساس قبائلي بحت مثلما حدث في مؤتمر جيبوتي للمصالحة الصومالية قبل ثلاث سنوات.

ونتيجة الانشقاقات والتحالفات التي حصلت داخل أروقة مؤتمر المصالحة، على صعيد المعارضة أو الحكومة الانتقالية، بدى بأن المؤتمر يسير باتجاه الفشل، وبعد مساع مكثفة من حكومة نيروبي المضيفة ورئيس اللجنة الفنية المنظمة للمؤتمر، عاد ممثلو المعرضة والحكومة إلى المؤتمر مرة أخرى.

في 5/7/2003م اتفق عدد من قيادات الفصائل الصومالية في نيروبي على تشكيل حكومة فيدرالية تتولى إدارة شؤون البلاد لمدة أربع سنوات، وتشكيل حكومة فيدرالية انتقالية وبرلمان من 351 عضوًا للفترة ذاتها؛ وقد اعترض الرئيس الصومالي عبد القاسم صلاد في مؤتمر صحفي عقده في نيروبي في 29/7/2003م على الاتفاق، وقال: إن "الاتفاق الذي وقعته الأطراف الصومالية -من جانب واحد- والدستور الانتقالي الذي عُرض على المفاوضين يمسان هوية الصومال العربية، ويؤديان إلى بلقنة الصومال وتفتيتها إلى دويلات صغيرة تحت اسم الفيدرالية"، واتهم الرئيس الصومالي إثيوبيا -وهي إحدى الدول الثلاثة المنظمة للمؤتمر- بأنها السبب في انهيار المفاوضات؛ حيث أصرت على صياغة أجندة المؤتمر بما يتفق وسياساتها الرامية إلى الهيمنة على مستقبل الصومال من خلال "عملاء" موالين لها.

وعلى إثر انسحابات متتالية من عدد من الأطراف الرئيسية قامت حكومة كينيا بتعليق المفاوضات في 13/8/2003م، تفاديا لانهيار المفاوضات.

وقد أخذت الحكومة الانتقالية على الاتفاق جملة من القضايا: من بينها نظام الفيدرالية الذي ترفضه الحكومة باعتباره تجزئة للبلاد، وإقصاء اللغة العربية من كونها اللغة الرسمية للبلاد كما كانت سابقا، وإسناد صياغة الدستور الصومالي إلى خبراء أجانب. وطالبت الحكومة بالمقابل بتشكيل لجنة صومالية خالصة لوضع دستور يترجم هوية وإرادة  الصوماليين.

وإضافة إلى ما سبق ظهر على الساحة السياسية صراع بين شيوخ القبائل وزعماء المليشيات حول الأحقية في تعيين أعضاء البرلمان. ففيما طالب بها شيوخ القبائل باعتبارهم القيادة الشرعية والتاريخية في الصومال، رفض زعماء المليشيات -الذين وجدوا دعما خارجيا من مصادر ودول متعددة وارتبطت مصالحهم بها- هذا المطلب نظرا لتراجع وتقلص دور المشائخ -حسب زعمهم.

في 15/9/2003م عرضت لجنة الوساطة الميثاق الانتقالي للصومال (الدستور المؤقت) الذي تمت صياغته للتصويت على الفصائل الصومالية المشاركة بالمؤتمر دون حضور ممثلي الحكومة و9 من الفصائل المتحالفة. الأمر الذي دفع صلاد إلى اعتبار مؤتمر المصالحة الصومالية منهار بالكامل.

وفي 16/9/2003م أصدرت الحكومة الصومالية والفصائل المتحالفة معها بيانًا مشتركًا دعت فيه إلى عقد مؤتمر بديل عن مؤتمر نيروبي في داخل البلاد لانتخاب برلمان وحكومة يحلان محل الحكومة التي انتهت فترة ولايتها في منتصف أغسطس 2003م.

في 28/9/2003م أعلنت جيبوتي انسحابها من لجنة الوساطة -التي تسعى لإبرام اتفاق سلام بين الفصائل الصومالية- احتجاجًا على عدم مشاركة كل الأطراف الصومالية في المحادثات؛ وقال سفير جيبوتي لدى كينيا: إن محادثات السلام في كينيا لم تتمخض عن تحقيق مصالحة حقيقية بين مختلف الفصائل الصومالية، وإنها قد توقع البلاد في حرب جديدة بسبب الخطوات الانفرادية التي اتخذتها كينيا. واعتبرت جيبوتي أن المؤتمر لن يكون في مصلحة الشعب الصومالي في ضوء ما يشهده من "انحياز واضح لتحقيق مصالح دول بعينها".

وعلى إثر ذلك، أعلن "باثويل كيبلجات" -المنسق الكيني لمؤتمر السلام الصومالي- تعليق المفاوضات بين الأطراف الصومالية حتى 21 من أكتوبر 203م. فيما رفض عبد العزيز أحمد -مندوب إثيوبيا في المؤتمر الصومالي- ما قاله المنسق الكيني، وأفاد في حديث صحفي له (1/10/2003م) بأن المؤتمر مستمر وعملية تقاسم السلطة جارية، وليس مقبولا ما نقل عن المنسق الكيني؛ معتبرا أن انسحاب جيبوتي من المؤتمر "غير مبرر"، وأن المؤتمر لن يتأثر بهذا الانسحاب.

لقد كشفت هذه المواقف في حينها عن عمق الخلافات القائمة بين الدول الثلاث المشرفة على أعمال المؤتمر بتفويض من منظمة "الإيجاد" التي ترعى مباحثات السلام الصومالية.

في 25/10/2003م دعت قمة الإيجاد الدورية -التي عقدت في كمبالا- لعقد اجتماع طارئ لمجلس وزراء خارجية دول الإيجاد في نيروبي، لتقييم مفاوضات السلام الصومالية القائمة منذ 15 أكتوبر 2002م، وإعطاء دفعة جديدة لهذه المفاوضات التي لا تزال معلقة منذ مطلع الشهر. وتم الاجتماع الطارئ لوزراء خارجية دول (الإيجاد) في نيروبي بتاريخ 28/10/2003م.

في 28/10/2003م اجتمع وفد الحكومة الصومالية برئاسة صلاد ووفد المجلس الوطني لإنقاذ الصومال بقيادة موسي سودي وبحضور الزعيم الليبي معمر القذافي في طرابلس بليبيا فيما بدا أنه مبادرة ليبية جديدة بشأن الصومال.

في 23/11/2003م وصف صلاد مؤتمر السلام الصومالي الذي يعقد في كينيا بأنه مؤتمر "يديره قس كيني يدعى باثويل كيبلجاد يضمر الشر للإسلام وأهله ويفعل فيه ما يشاء".

في يناير 2004م قال "كالونزو ماسيوكا" وزير الخارجية الكيني في تصريحات صحفية: "إن صبر المجتمع الدولي قد نفد تجاه تعنت الأطراف الصومالية إزاء المصالحة"؛ وهدد في حديثه بأن أي زعيم يتغيب عن المشاركة في اجتماع المراجعة "سيواجه عقوبات وسيتم اعتباره عقبة في وجه السلام في الصومال".

لقد كانت كينيا غير جادة من أجل المصالحة الصومالية؛ ففي زيارة للرئيس الكيني السابق " دانيال أرب موي" لكلية عسكرية في واشنطن، في أكتوبر 2003م، سأله خبير عسكري: لماذا لا يوجد في الصومال دولة؟ فأجاب الرئيس: "كينيا وإثيوبيا لن تكونا صادقتين في المصالحة الصومالية، لأنهما تخافا إذا وجدت دولة صومالية أن تعيد نزاعها معهما، أن يكون هدفها أن تضم الصومال بعض المناطق التابعة حاليًا كلاً من كينيا وإثيوبيا".

كما انقسم الصوماليون -أنفسهم- إزاء مؤتمرات السلام في نيروبي إلى معسكرين:

الأول: "مجلس المصالحة والإحياء الصومالي" وهو يضم 13 فصيلا معارضا لحكومة صلاد، وأعلن عنه في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا عام 2001م.

والثاني: الحكومة الانتقالية وإلى جانبها "المجلس الوطني الصومالي" الذي أعلن عنه في 30/9/2003م، حيث يضم 9 فصائل، إضافة إلى مجموعة من القادة القبليين، وهذا المعسكر رفض ما جرى في مؤتمرات نيروبي، على اعتبار أنه يسيء إلى الثوابت الوطنية للصومال.

ولقي هذا الاتفاق ترحيبا من قبل الولايات المتحدة والجامعة العربية. حيث استقبلته واشنطن بارتياح حذر. ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن وزير الخارجية الأمريكي كولن باول الجمعة 6/2/2004م قوله: "إن الصومال يستعصي على الحكم منذ زمن طويل، ونود أن نلعب دورا لإعطاء قوة دفع لهذه العملية".

ومن الملاحظ غياب العلماء والدعاة والحركة الإسلامية في الصومال عن المصالحة الصومالية والمؤتمرات التي عقدت من أجل السلام وتشكيل هياكل الدولة المستقبلية في نيروبي، وغيرها من المدن والعواصم التي تنقلت بينها المؤتمرات! وترك المجال السياسي في يد زعماء الحرب أنفسهم –من قادة ميليشيات وزعماء قبائل- الذين خرّبوا البلاد، وكانوا سببا في الأزمة والفتنة التي استمرت لعقد ونصف من الزمان.

التحديات المستقبلية للحكومة الحالية:

انعدام الموارد:

لا تمتلك الحكومة الجديدة موارد مالية لتسيير شئونها، كما أنها لا تمتلك البنى التحتية والإمكانيات التي تساعدها على القيام بمهامها كدولة تقيم الأمن وتحمي الحدود وترعى مصالح المجتمع وتنهض بالتنمية. في حين أن المساعدات الدولية المقدمة لا تفي بمتطلباتها لإدارة شئونها وتوظيف كوادرها في مختلف المؤسسات الرسمية للدولة!

وفي الوقت ذاته يعاني الشعب الصومالي من حالة فقر شديدة، وقد أعلنت الأمم المتحدة في 15/1/2004م عن نتائج أول مسح اجتماعي واقتصادي يُجرى في الصومال منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1991م، والذي تم بمبادرة مشتركة بين البنك الدولي وعدد من وكالات المنظمة الدولية منها البرنامج الإنمائي، حيث أظهر المسح أن نحو 43% من الصوماليين يعيشون في فقر شديد بمعدل دخل يومي يعادل دولارًا أمريكيًّا واحدًا أو أقل.

ولا تمثل الإمدادات الإنسانية التي تقدمها المنظمات الدولية شيئا يذكر إلى جانب ما تعاني منه البلاد من أزمات، خاصة إذا أضيف لها غياب المنظمات الإسلامية الفاعلة وتعطيل الحوالات المالية التي يرسل بها من الجاليات الصومالية في الخارج إلى أهليهم في الداخل تحت ذريعة مكافحة تمويل العناصر الإرهابية.

ورغم تعهد المجتمع الدولي بالعمل لإعادة الأمن والاستقرار إلى الصومال وتقديم الدعم اللازم لإعادة الإعمار، إلا أن شيئا من ذلك لم يحصل!! فدول الجوار عاجزة عن تقديم أي دعم، وكذلك هو الحال للدول الأفريقية. أما الدول العربية فقد عبر الرئيس الصومالي عبد الله يوسف عن خيبة أمله نتيجة لما وصفه بـ"المبلغ الهزيل" الذي قررت تقديمه لمساعدة الحكومة الصومالية الحالية على نزع أسلحة الميليشيات؛ وقال في تصريح له في «الشرق الأوسط» اللندنية -من مقر إقامته في نيروبي في يناير 2005م- إنه كان يتوقع حصول بلاده على أكثر من مائة مليون دولار أمريكي وليس ما تم الإعلان عنه في ختام اجتماعات اللجنة الوزارية العربية التي عقدت في القاهرة على هامش اجتماعات المجلس الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب.

هذا في حين أوضح شيخ إسماعيل وزير خارجية الصومال -في تصريح لصحيفة "الشرق الاوسط" بشأن عرض الملف الصومالي على القمة العربية السابعة عشرة التي عقدت في الجزائر خلال شهر مارس 2005م- أن التقديرات الأولية لمشروع إعادة إعمار الصومال تصل مبدئيا إلى نحو ثلاثة مليارات دولار، مشيرا إلى أنه يتعين إعادة بناء كافة مؤسسات الدولة الصومالية من تحت الصفر!

وفي حين يقدر الخبراء الدوليون في الأمم المتحدة تكاليف إعمار الصومال بخمسة مليارات دولار، لم يقدم الاتحاد الأوروبي أكثر من عشرين مليون دولار! وعليه خسر عبد الله يوسف أول طلب تقدم به إلى المجتمع الدولي كرئيس للصومال ألا وهو تقديم المساعدات الخارجية لحكومته من أجل تحسين أوضاع أبناء الشعب الصومالي وكسب ثقتهم.

كميات السلاح:

يشكل انتشار السلاح في يد الفصائل والمليشيات الصومالية أحد أهم مشاكل الدولة، وهي تهرب عبر الحدود البرية والبحرية وبمساندة دول مجاورة.. كإثيوبيا؛ في 29/12/2003م اتهم الرئيس الصومالي السابق عبد القاسم صلاد حسن في مؤتمر صحفي له إثيوبيا بتقويض الاستقرار في الصومال، وذلك عن طريق مساندتها قادة الحرب الصوماليين وتزويدهم بالأسلحة والذخيرة لتحقيق أهدافها الرامية إلى تقسيم الصومال إلى كانتونات قبلية متناحرة؛ وأكد بأن إثيوبيا "تنتهك باستمرار الحظر الذي فرضه مجلس الأمن الدولي على توريد السلاح إلى الصومال".

وقد أفاد "ستيفن تافروف" -رئيس لجنة خبراء الأمم المتحدة المكلفة بمراقبة الحظر الدولي المفروض على الصومال- في مؤتمر صحفي في نيروبي في 18/11/2003م بأن السلاح لا يزال يدخل إلى الصومال بصورة ملحوظة على الرغم من الحظر الذي فرضه مجلس الأمن الدولي عام 1992م، كما أن التجارة فيه نشطة جدًّا سواء في الأسلحة التي في داخل البلاد أو تلك التي تأتي من خارج الصومال. وربط المسئول الدولي بين التطبيق الصارم لهذا الحظر وبين إيجاد حل سياسي للمشكلة الصومالية، وقال: "إن الفشل في تطبيق الحظر المفروض على توريد السلاح إلى الصومال من شأنه أن يعرقل أية محاولة لإيجاد حل يمهد الطريق لإنشاء حكومة مركزية قوية في الصومال والتي تفتقدها البلاد منذ 13 عامًا".

وكانت لجنة متابعة الحظر الدولي المفروض على توريد السلاح إلى الصومال قد أصدرت في 7/11/2003م تقريرًا مطولاً عن حركة توريد السلاح إلى الصومال ومصادرها، بالإضافة إلى المواني التي يتم إفراغ شحنات السلاح والذخيرة فيها في طريقها إلى أيدي المليشيات التابعة لأمراء الحرب في الصومال. وأكد التقرير أن السلاح يتدفق إلى الصومال من جهات كثيرة؛ داعيا الخبراء إلى إصدار "قائمة سوداء" للدول والجهات التي تنتهك الحظر تمهيدًا لمعاقبتها مستقبلاً. وأكد تقرير خبراء الأمم المتحدة بأنه على الرغم من انخفاض استخدام السفن الكبيرة وطائرات النقل العملاقة في إيصال السلاح إلى الصومال، فإن مئات من الأطنان منه تنقل بواسطة سفن الصيد والطائرات الصغيرة التي وجدت طريقها إلى الصومال بطرق مختلفة منطلقة من عدد من الدول في المنطقة مثل اليمن وأثيوبيا وإريتريا وجيبوتي والإمارات العربية المتحدة.

وتأتي المسائل الأمنية –بما فيها السلاح- في أولويات حكومة عبدالله يوسف، ففي إشارة منه إلى مشكلة السلاح المنتشر في أيدي زعماء الحرب الذين أصبحوا أعضاء في البرلمان والحكومة أيضًا قال الرئيس الصومالي عبد الله يوسف: "يجب أن يتم وضع جميع الأسلحة في يد الحكومة"! وقد خصصت الحكومة الجديدة ميزانية قدرها 95 مليون يورو، سيستخدم جزء من هذه الأموال في الشئون الأمنية غالبا وتجميع المليشيات التي سيتم استيعابها ودمجها في الشرطة أو الجيش.

وفي خطوة أخرى في الاتجاه ذاته أطلق الرئيس الصومالي عبدالله يوسف مشروعا يطلب فيه من الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية إرسال نحو 7.500 جندي إلى الصومال للقيام بمهام نزع السلاح ومساعدة الحكومة في تثبيت الأمن؛ جاء ذلك عقب إصدار مجلس الأمن الدولي قرارا بالإجماع (رقم 1587في 16/3/2005م) الذي شجب استمرار وصول الأسلحة والذخائر إلى الصومال، وأبدى عزم المجلس على محاسبة المسئولين عن ذلك!

يذكر أن بعض التقديرات تشير إلى وجود نحو (20) مليون قطعة سلاح في الصومال!

النزاعات القبلية:

تعد التركيبة القبلية في الصومال أقوى من جهاز الجيش والأمن، كما أن الرأي العام في الصومال تحكمه الانتماءات القبلية، وقدرة زعيم القبيلة على حشد أكبر عدد ممكن من مليشيات قبيلته -التي تشكل الدعامة الأساسية لنفوذه السياسي والعسكري- خلفه.

وفي ضوء ذلك كان الارتكاز على القاعدة القبلية والعشائرية هو الأساس في الصراع وفي المصالحة وفي تشكيل الدولة وسلطاتها، بما يعني ضمنياً أن يبقى قادة القبائل وزعماء الفصائل المسلحة هم أصحاب الكلمة الأخيرة في صياغة الأوضاع الحالية والرؤى المستقبلية.

والقاسم المشترك للحروب الطاحنة التي شهدتها الصومال يكمن في محاولة كل طرف تقوية موقفه في المفاوضات السياسية الدائرة، وهو ما لا يتأتى إلا بالمزيد من المواجهات بغية السيطرة على مساحة أكبر من الأرض.

وفي حين لم تنجح حكومة صلاد حسن خلال أربع سنوات في السيطرة على العاصمة مقديشو، وفشلت تماماً في نزع أسلحة القبائل والميليشيات، وفي تشكيل جيش أو قوى أمن داخلي ذات تأثير في البلد، فإن حكومة البروفيسور علي محمد جيدي التي شكلها عبد الله يوسف لن تكون بأوفر حظا من سابقتها؛ فقد أعادت مؤتمرات المصالحة القبائل والمليشيات إلى مركزها القديم في كونها معيارا لتقاسم السلطة السياسية في الصومال.

مشكلة الدويلات المنفصلة:

إن من التحديات العاجلة للحكومة أمراء وزعماء الحرب الذين أثبتت التجارب عدم استعدادهم للتنازل عن نفوذهم أو التخلي عن مصالحهم الخاصة ومصالح قبائلهم ومليشياتهم التي يتزعمونها.

فقد عمقت الحروب من الانقسامات في المجتمع الصومالي تحت تأثير عوامل محلية وإقليمية، أدت فعليا إلى تقسيم البلاد إلى مجموعة من الدويلات والولايات على أسس إقليمية وقبلية وعرقية وثقافية. إذ اجتاحت أثيوبيا منطقة جنوب غرب الصومال و أقامت منطقة أمنية هناك بحجة مكافحة العناصر الإسلامية، بينما دعمت كينيا وإريتريا جهات صومالية بحثا عن الدور والنفوذ الإقليميين.

في مايو 1991م تم الإعلان عن أول حكومة إقليمية في الشمال الغربي للصومال، وهى حكومة "جمهورية أرض الصومال" وعاصمتها "هرجيسا"؛ وكانت برئاسة عبد الرحمن تور، ثم تلاه إبراهيم عقال الذي توفي في يونيو 2002م، ثم تلاه "طاهر ريالي كاهن" الذي فاز في أول انتخابات رئاسية تجرى في جمهورية "أرض الصومال" في 14/4/2003م. وفي حين لم يعترف المجتمع الدولي بالجمهورية الانفصالية حاول "كاهن" العزف على وتر الولايات المتحدة، متهما شبكات إرهابية دولية بالمسؤولية عن مقتل ثلاثة أوروبيين في بلاده، ومطالبا المجتمع الدولي، الذي لا يعترف باستقلال جمهوريته عن الصومال، بالمساعدة. جاء ذلك في تصريح أدلى به كاهن لإذاعة الـ(بي بي سي) عقب قراره طرد كل المهاجرين غير الشرعيين.

وقد حققت جمهورية "أرض الصومال" استقرارا سياسيا وأمنيا بالمقارنة مع بقية المناطق الصومالية التي تجتاحها الحرب الأهلية وخلافات قادة الفصائل المسلحة.

وفي أغسطس 1998م تم الإعلان عن قيام حكومة إقليمية في الشمال الشرقي للصومال، وهي حكومة "بونت لاند" وعاصمتها "جروي"؛ برئاسة عبد الله يوسف، الذي طالب بإقامة نظام فيدرالي في الصومال. وعقبه في الحكم يوسف حجي تور ثم جمعة علي جمعة.

وعقب انهيار محادثات السلام بالقاهرة جرت محاولات لإقامة حكومة إقليمية أخرى بالجنوب الصومالي بعنوان "جوبا لاند"؛ وتصاعدت ظاهرة إعلان قيام دويلات جديدة في الصومال، كان أبرزها في إقليم شبيلى الوسطى، وفي أقاليم جنوب غرب البلاد..كما تصاعدت ظاهرة الاقتتال بين الفصائل لتوسيع النفوذ والوصول إلى السلطة في تلك الدويلات! وخطورة هذا الأمر لا تكمن فقط في بروز أقاليم لها هوية مميزة بقدر ما تكمن في زيادة تأثير البعد الإقليمي في المعادلة الوطنية الصومالية انطلاقا من الإقليم المعني!

لقد ظلت الحكومة الانتقالية السابقة برئاسة صلاد تحظى باعتراف جزء من جنوب البلاد فقط، بينما تواجه معارضة من حكومتي أرض الصومال وأرض البانت المعلنتين من طرف واحد ومن الفصائل المسلحة التي كانت تسيطر على جزء من مقديشو والجنوب. واستمر القتال من أجل السيطرة على الأراضي بين الفصائل والحكومة الوطنية الانتقالية، وفيما بين الفصائل نفسها.

يذكر أن حسين عيديد الذي تشكل منظمته (الاتحاد الوطني الصومالي) إحدى المنظمات التي يتكون منها مجلس المصالحة يناصب الحكومة الانتقالية العداء ويتخذ من أثيوبيا مقرا له ولم تفلح حكومة مقديشيو حتى الآن في ضمه إلى جهود المصالحة الوطنية التي شرعت فيها منذ تشكيلها عقب توقيع اتفاق عرتا في جيبوتي عام 2000م.

انتشار الإيدز:

تقول إحصاءات الأمم المتحدة: إن معدلات انتشار الإيدز تتزايد بسرعة في دول القرن الأفريقي: إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي والصومال. وعلى الرغم من عدم وجود إحصائية رسمية أو غير رسمية عن معدل الإصابة بمرض الإيدز في الصومال فإن الأمم المتحدة أصدرت في ديسمبر 2003م تقريرا يفيد بأن 1% من سكان الصومال البالغ عددهم 10 ملايين نسمة يحملون الفيروس الحامل للمرض أو مصابون بالمرض فعلا. ومما يزيد من مخاوف انتشار المرض في الصومال أن الدول المحيطة به مثل: كينيا وإثيوبيا وجيبوتي، من أكثر الدول الأفريقية إصابة بالعدوى حسب تقارير الأمم المتحدة.

زراعة الحشيش:

تعرض بيان المنظمات المدنية في 12/2/2004م إلى استخدام بعض المليشيات الصومالية الأراضي الزراعية في زراعة الحشيش والمخدرات الأخرى التي تدر عليهم أرباحا طائلة لتمويل عملياتهم العسكرية. وأكد البيان أن "عددا من المزارع وكلها في المناطق الزراعية الخصبة بجنوب الصومال، تم تحويلها إلى مزارع للحشيش بالكامل تحرسها المليشيات، وأُجبر السكان المحليون على العمل فيها بالقوة".

النفايات النووية:

في 9/3/2005م دعا مسئولو الحكومة الصومالية الأمم المتحدة إلى إزالة أطنان من النفايات الخطرة التي نقلتها موجات المد الآسيوي "تسونامي" من أعماق السواحل الصومالية إلى الشاطئ، حيث تسببت في حدوث أمراض فتاكة و"زيادة الوفيات بين البشر والحيوانات، تبعها انقراض على نطاق واسع للحياة البحرية والبرية"..

وأكد تقرير للأمم المتحدة صدر في شهر فبراير أن موجات المد أخرجت مواد خطرة في الصومال الذي استخدم على مدى سنوات كمقلب للنفايات النووية للدول الأخرى. وأوضح التقرير أن دفن النفايات أصبح أكثر سهولة بعد الإطاحة بنظام سياد بري.

الصومال وتجربة قوات حفظ السلام:

أطلق الرئيس الصومالي الجديد عبدالله يوسف كأول مبادرة لإعادة الأمن والاستقرار إلى الصومال مشروعا يطلب من الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية إرسال نحو 7.500 جندي للقيام بمهام نزع السلاح ومساعدة الحكومة في تثبيت الأمن والاستقرار في الصومال؛ وقد ووجه المشروع الذي لا يمانع من إرسال قوات من دول الجوار الجغرافي خاصة: إثيوبيا وكينيا بمعارضة شعبية واسعة. وقد تزعم المعارضة الشعبية رابطة علماء الصومال واتحاد المحاكم الإسلامية، وتوعد الآلاف ممن شارك في مظاهرات عمت بعض المدن الصومالية بمقاومة أي وجود عسكري إثيوبي بقوة السلاح. وقد صرح الشيخ شريف شيخ أحمد رئيس اتحاد المحاكم الإسلامية في الصومال لـ"الشرق الأوسط" الأحد 13/2/2005م بالقول: بأن تدخلا عسكريا من هذا القبيل سيعقد الوضع في الصومال، وسيجعله مهيأ لاندلاع حرب أهلية جديدة، باعتبار أن قطاعات كثيرة من الشعب الصومالي ترفض التدخل الأجنبي من الأساس. كما قال الشيخ إبراهيم سولي أمين عام رابطة علماء الصومال: إن الجنود الأفارقة المقرر أن يصلوا في الأشهر القادمة إلى البلاد غير مقبولين في أرض الإيمان (الصومال). وأضاف في بيان للرابطة (11/2/2005م) بأنه يرفض كل أشكال التدخل الأجنبي ويطالب البرلمان بعدم إقرار مهمة السلام التي تسمح لقوات أفريقية بدخول الصومال؛ وأضاف أنهم مختلفون في الدين، ولذلك لا يمكن قبولهم.

ووصل الأمر في مناقشة مشروع القرار إلى حد نشوب عراك دام في البرلمان الصومالي (بنيروبي) بعد تصويت البرلمانيين ضد المشروع. كما عارضت الولايات المتحدة تدخل قوات أجنبية من الدول المجاورة لحفظ السلام في الصومال، في خطوة يبدو أنها تسعى إلى تطبيع السلطة القادمة من مؤتمرات نيروبي!

الخلاصة:

من خلال هذا التتبع والاستقراء والعرض للقضية الصومالية ومراحلها ومحطاتها وعوامل التشابك والتداخل فيها نخلص إلى نتيجة مفادها أن الصومال مثال واضح –ضمن كثير من الأمثلة- على تفكك الروابط الإسلامية والعربية بين دول العالم الإسلامي والعربي، وعلى أن الإرادة الاستعمارية القديمة والحديثة تسعى إلى تجزئة الجسد لتنفرد بكل جزء على حدة، تصيغه وفق أهدافها ومصالحها وتحالفاتها في المنطقة. وقد دفع الشعب الصومالي ضريبة التخاذل العربي والإسلامي وترك فريسة سائغة للقوى المعادية للإسلام والعروبة يشكلون حاضره ويرهنون مستقبله. ولم يعد خافيا على أحد أن جميع الضغوط مورست وبذلت كافة الجهود لإقصاء أي إرادة صادقة أو سعي جاد لحل الأزمة من قبل الدول العربية وجاء الحل مرسوما ومعدا من دوائر صنع القرار الغربية بالاتفاق مع حلفاء المنطقة: إثيوبيا وإريتريا وكينيا وإسرائيل!

إن الصورة بهذه الملامح تؤكد خطورة النتائج المستقبلية لهذا التدخل السافر والسياسات الاختراقية لبلد عربي مسلم. وما لم تبذل الدول والشعوب العربية جهودا حقيقية في تأكيد هوية الشعب الصومالي العربية والإسلامية وتقدم له الدعم الإنساني والمساندة بالمال والإمكانيات المادية والخبرات المختلفة لنهضة البلاد وعمران الأرض وتنمية المجتمع.. وإلا فإن الاختراق الثقافي والفكري والسياسي سيتمكن من هذا البلد الذي يعد البوابة الجنوبية للبحر الأحمر شريان الأمة ووريدها!!

-----------

المراجع:

تم الرجوع لإعداد هذا الموضوع إلى أكثر من 100 مادة، ما بين أخبار وتقارير ومقالات، منشورة على الإنترنت.

بالإضافة إلى:

-التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية 2002م

-الحصاد المر: تجربة الصومال بين الحكومة الجائرة والحرب الأهلية، بقلم/ محمد إدريس أحمد. (متوفر على الإنترنت).

تحضير عملية تغيير الهوية بعد التفكيك السياسي في الصومال، بقلم / إبراهيم عبد الله محمد

حوار مع (حسين عيديد) في مجلة (المجلة) بتاريخ 3/3/2002م.

استطلاع رأي

ما هو تقييمك للموقع الجديد؟

مركز الاعلام

الصحف الكويتية تتناول أخبار مؤتمر (وحدة الخليج والجزيرة العربية) وتشير إلى مشاركة رئيس المركز في فعالياته...

في مؤتمر اتفاقيات المرأة بالمنامة: خبراء ومفكرون عرب يحذِّرون من اتفاقيات دولية تدعو إلى المعارضة للدين والأخلاق بالإباحية

دراسة تحذر من مآلات (أزمة الجنوب) وشبح التقسيم

صحيفة الغد: دراسة تحذر من تنامي ظاهرة "العنف الإسلامي" مستقبلا

قضايا المرأة اليمنية بمنظور الشرع والتقاليد والواقع

26 سبتمبر: (العنف في اليمن) كتاب لـ(أنور الخضري)

عقلية علمانية أم مطلب حقوقي؟ جدل الحركة النسوية في اليمن يعيد مصطلحات الخلافات الأيدلوجية

معرض الصور

المزيد

معرض الملتميديا

المزيد
2018