السبت 8 جمادى الآخر 1439 هـ الموافق 24 فبراير 2018 م

أبحاث ودراسات

مكانة الشريعة في الدستور اليمني وأثر الحضور الإسلامي عليها

السبت 11 جمادى الأول 1434 هـ     الكاتب : أ. أنور قاسم الخضري

عدد الزيارات : 534

مقدمة:

(الدستور) كلمة فارسية الأصل، وجمعها (دساتير)، وتطلق على القاعدة التي يعمل بمقتضاها، كما تطلق على (الدفتر) الذي تجمع فيه قوانين الملك وضوابطه، أو تكتب فيه أسماء الجند ومرتباتهم.

ويطلق الدستور على الوثيقة السياسية التي تتضمن رؤية يفترض فيها أن تكون محل إجماع لكافة (رعايا) المجتمع المنشئ لها. فهو في حقيقته وثيقة تتضمن ثوابت وأصول وكليات يُصدر عنها ويُتحاكم إليها في الشأن العام للأمة، وتمثل السقف الذي لا ينبغي لأحد خرقه فضلا عن تجاوزه؛ لذا فهو يعكس مدى نضج الأمة السياسي والحضاري والقيمي والأخلاقي، ومدى مساحة المشترك الذي يجمع بينها.

وغالبا ما يتناول الدستور طبيعة الدولة ومكوناتها، ووظائف هذه المكونات وصلاحياتها، وطبيعة نظام الحكم، وطبيعة علاقة الدولة بالمجتمع، وحقوق وواجبات كل طرف منهما، والأسس التي على ضوئها تُحدَّدُ الأمةُ ويقوم الولاء بينها.

ويعبر القانونيون عن الدستور بأنه (أبو القوانين)، لأن مشرعي القوانين في الدول يخضعون مواد وأحكام جميع القوانين لنصوص الدستور ومبادئه، أما إذا ناقضتها أو خالفتها فهي (باطلة) بقوة الدستور؛ وبقوة الدستور أيضا يبطل أي تصرف لسلطات الدولة خارج عن أحكامه ومبادئه وروحه.

وقد نشأت فكرة الدستور (السياسي) قديما إلا أن أول دستور صيغ في الإسلام بحسب وصف كثير من الكتاب كان في عهد النبي –صلى الله عليه وسلم- بالمدينة المنورة، وهو ما أطلق عليه (وثيقة المدينة).

أما في العصر الحديث فهناك خلاف حول ظهور أول دستور سياسي مكتوب، إلا أن المتفق عليه أن (الدساتير) نشأت على خلفية سقوط الإمبراطوريات والدول الملكية وظهور الدول الجمهورية الحديثة، ثُمَّ ألهمت هذه الفكرة العديد من شعوب الأرض التي كانت تخضع للاستبداد السياسي تحت مسميات مختلفة.

ولم تشهد اليمن في ظل حكم الأئمة الزيديين حضور دستور (سياسي) بهذا المعنى، وقد كان من بين مطالب المعارضة اليمنية التي نشأت ونمت خلال العقود الأولى مطلع القرن العشرين -المنصرم- وضع دستور للبلاد ينظم شئون الدولة ويفسح المجال لتوسيع دائرة الشورى والمشاركة الشعبية؛ إلا أن انسداد الوضع وتصلب الإمام يحيى حميد الدين على رفض هذه المطالب وملاحقة أصحابها والتنكيل بهم دفع بالمعارضة اليمنية للقيام بثورة عام 1948م حيث اغتيل الإمام يحيى واختير عبدالله الوزير "إماما شرعيا شوريا دستوريا، على نحو ما تسير به أرقى الأمم اليوم في العالم المتحضر، فيما لا يخالف -أدنى مخالفة- التعاليم الإسلامية السمحة الصحيحة".[1]

هذه المحاولة في التحول لنظام حكم دستوري فشلت في مهدها وقضي عليها، وأعقبها محاولة أخرى عام 1955م بزعامة المقدم أحمد يحيى الثلايا وكان مصيرها مصير سابقتها.

وفي عام 1962م وعقب وفاة الإمام أحمد بن يحيى بن حميد الدين قامت ثورة جديدة وأسقطت حكم الأئمة معلنة قيام نظام جمهوري دستوري، بمساندة مصرية –هذه المرة. وكان من بين أبرز أهداف الثورة: "إنشاء مجتمع ديمقراطي تعاوني عادل، مستمد أنظمته من روح الإسلام الحنيف". وهذا الهدف يجعل من الإسلام منطلقا لهذا المجتمع الديمقراطي التعاوني العادل –كما هو واضح.

إلا أن تباين التيارات المشاركة في الثورة أحدث ضبابية في هذا المنحى المهم الذي أريد له التغييب. فلم يكن مشروع ما بعد الثورة محل اتفاق بين قوى الثورة، ما أدخلها في نزاع وصراع داخلي، وهو ما انعكس بدوره على الدستور اليمني.

ونتيجة لعدم التوافق والاستقرار وتصارع هذه القوى فيما بينها جرى إصدار إعلان دستوري عام (1962م)، وثلاثة دساتير مؤقتة خلال الأعوام: (1963م/ 1965م/ 1967م)، ودستورين دائمين في عامي: (1964م/ 1970م)، وستة قرارات دستورية خلال الفترة: (1968م/ 1970م).

وكان الغالب في هذه الدساتير والإعلانات الدستورية عدم خضوعها للاستفتاء الشعبي، واقتصارها على القوى والنخب السياسية والسلطوية. ما يعني أنها كانت بعيدة عن تمثيل إرادة الشعب اليمني المسلم.

وقد عملت القوى القومية واليسارية والليبرالية بمختلف تياراتها عقب الثورة على تكريس مبادئها من خلال توسيع نفوذها في السلطة وتضمين الدستور أو القوانين المعمول بها للأفكار والقيم والمبادئ التي تؤمن بها؛ غير أن القوى القبلية والاجتماعية المحافظة والإسلامية كانت لا تزال ذات تأثير على المشهد العام ما جعل كثيرا من القوى القومية واليسارية –والتي كان يقتصر حضورها على الأجهزة الحكومية والجيش وبعض النخب المثقفة- تبدي مرونة تجاه كثير من القضايا الحساسة كالدِّين والمرأة.

في الجنوب وعقب استقلال البلاد من الاستعمار البريطاني عام 1967م، أعلن أول دستور لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية عام 1970م، ثُمَّ عُدِّل عام 1978م من مجلس الشعب الأعلى، وقد نصَّ على أن: "الحزب الاشتراكي اليمني –والذي أمسك بزمام الأمور في ذلك الحين- هو القائد والموجه للمجتمع والدولة". وبدوره اتخذ الحزب من النظرية الاشتراكية العلمية الأساس النظري لبرامجه العملية ومشاريعه السياسية والاقتصادية والثقافية؛ وذلك بعد حسم الحزب صراعه مع بقية القوى القومية والوطنية في الجنوب لصالحه؛ حيث عمل على تصفية كافة القوى المخالفة بشكل دموي أو من خلال ممارسات (أمنية) بشعة.

وفي عام 1990م قامت وحدة سياسية بين شطري اليمن تمَّ بموجبها الإعلان عن كيان سياسي جديد هو (الجمهورية اليمنية)، على أساس مبدأ النظام الجمهوري الديمقراطي متعدد الأحزاب. وجاء دستور الوحدة انعكاسا لميزان القوى السياسية ومواكبا للتحولات التي طرأت عليها.

المبحث الأول: القيم الفكرية والثقافية والأخلاقية للدستور اليمني:

يمثل الدستور -في الغالب الأعم من الدول- المرجعية العليا لفلسفة الحكم ورؤية المجتمع باعتباره يتضمن القواعد العامة والأسس الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يلتزم بها؛ وهو يمثل المحدد الأوسع والسقف الأعلى لكافة القوانين والقرارات والرؤى التي تنبثق عنها برامج وخطط ومشاريع الحكومة.

وإذا كان الدستور في شقه السياسي يتضمن مجموعة المبادئ الأساسية المنظمة للدولة وممارسة الحكم، والقواعد التي تحكم العلاقة بين مختلف سلطاتها العامة، والشروط الواجب توفرها في من يتقلد المناصب العليا فيها، وحقوق وواجبات كل من الحكام والمحكومين، فإنه في شقه الثقافي والفكري يعكس المبادئ والقيم التي يؤمن بها النظام السياسي ويلتزمها ويسعى إلى تحقيقها؛ وهو بذلك يضبط إيقاع الأداء الحكومي وفقا لتلك المبادئ والقيم، من خلال ما يحدده من سياسات عامة وهوية للأمة.

لذلك يرى البعض أن الدساتير والأنظمة السياسية -مهما كانت- لا تخلو من بعد أيديولوجي، باعتبار أن مصطلح الأيديولوجية يشير إلى: (نسق من المعتقدات والمفاهيم والأفكار الواقعية والمعيارية على حد سواء، ويسعى في عمومة إلى تفسير الظواهر الاجتماعية المركبة من خلال منظور يوجه ويبسط الاختيارات السياسية والاجتماعية للأفراد والجماعات)[2].

فالأيديولوجية –باعتبارها نظاما مركبا من المعتقدات والقيم والرؤى والأفكار الخاصة بمجتمع ما- لا تنفك عن السياسة؛ كونها تصوغ علاقة هذا المجتمع بالآخر –إيجابا وسلبا، وتشكل وعي المجتمع بوجوده وماضيه وحاضره ومسيرته الحضارية ومستقبله.

لذا نجد أن الدول غالبا لا تخالف المعتقدات والقيم السائدة في بيئتها الاجتماعية لأنها بذلك تفقد قابليتها وتصطدم بحركة المجتمع وإرادته. وهذا ما يفسر سقوط كثير من الأنظمة التي كانت تتمتع بقوة عسكرية وأمنية أمام أزمات داخلية أو اعتداء خارجي بشكل سريع ومريع!

كما أن للأيديولوجية دور مهم في حركة الأنظمة السياسية وفاعليتها وقدرتها التأثيرية (فلا توجد دولة دون أن يكون لها إطار أيديولوجي واضح وصريح، فالنظم السياسية لا تعمل بشكل عشوائي، وإنما تعمل في إطار من المعتقدات والتوجيهات السياسية التي تعرب عنها صراحة، كأن يقال: أن النظام اشتراكي، أو ليبرالي، أو ديمقراطي…، أو تتركها ضمنيا يكشف عنها شكل الفعل الاجتماعي الذي يصدر عن الدولة، وينسحب هذا القول إلى النظم السياسية كافه بصرف النظر عن بساطتها وتعقيدها)[3].

أما القوانين فهي الجانب التفصيلي لتلك المبادئ والقيم والرؤى والأفكار التي يتضمنها دستور ما؛ وهي تأخذ شرعيتها من كونها تنبع عن الدستور والهيئات التشريعية التي انتخبت بإرادة الأمة أو عينت وفقا لها. وهي الجانب الألصق بالأفراد في شئونهم الحياتية اليومية وسلوكهم العام.

وغالبا ما تفقد القوانين شرعيتها في حال خالفت مضامين الدستور ومقاصده الكلية؛ كما أنها تعدل في حدود ما يسمح به.

ومن هذا المنطلق فإننا في هذا المبحث نسعى لرسم الملامح العامة للقيم الفكرية والثقافية والأخلاقية التي تضمنتها الدساتير اليمنية، وانعكست بدورها على قوانين الدولة وتشريعاتها وبرامجها وخططها خلال العقود السابقة.

أولا: في الجمهورية العربية اليمنية:

الجمهورية العربية اليمنية هو الاسم الذي أطلق على الجزء الشمالي لليمن عقب قيام ثورة 26 سبتمبر عام 1962م، ومثلت أول محاولة لإقامة حكم دستوري جمهوري في البلاد. وقد تميزت ظروف نشأتها بالتغيرات الفكرية والسياسية التي كانت تجتاح العالم العربي والإسلامي وصعود الأفكار اليسارية والقومية والليبرالية. إلا أن اليمن ونتيجة عدة عوامل كانت لا تزال تحمل إرثا دينيا ومحافظا، وهو ما جعل الأفكار المخالفة للإسلام وقيم المحافظة والشرف تتوارى تحت ضغط الواقع أو في ظل مواجهة معه. لذا فإن المستقرئ للتطور التشريعي للجمهورية العربية اليمنية في الشقين الدستوري والقانوني يلمس هذه الحقيقة ماثلة للعيان.

فالدستور اليمني رغم تضمنه لمصطلحات ومفاهيم جديدة على ثقافته الدينية والفكرية والسياسية إلا أنه أكد على مرجعية الشريعة الإسلامية وهيمنة الدين على النظام الحاكم والمجتمع؛ وهذا بدوره انعكس غالبا على القوانين التي كانت تصدر.

فقد نص الدستور المؤقت –الذي صدر في 13/4/1963م[4]- في الباب الأول (دولة اليمن) على أن: "الشعب اليمني يحكم نفسه بنفسه وهو مصدر جميع السلطات في الدولة" [5]؛ كما نص على أن: "الإسلام دين الدولة الرسمي، والتشريع فيها يستند إلى مبادئ الشريعة الإسلامية الغراء ولا يتعارض معها"[6].

وجاء في الباب الثاني (المقومات الأساسية للمجتمع اليمني) أن: "الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية"[7].

ونص الدستور الدائم -الذي صدر في 27/4/1964م[8] وجاء بعد مناقشته من قبل (القوى الوطنية) والاتفاق عليه بينهم- في الباب الأول منه على أن: "اليمن دولة إسلامية عربية مستقلة،..."[9]؛ وأن: "السيادة للأمة وتكون ممارستها على الوجه المبين في هذا الدستور"[10]؛ هذا مع نصيته على أن: "الإسلام دين الدولة...."[11]، وأن: "الشريعة الإسلامية مصدر القوانين جميعا"[12].

كما نص الدستور في الباب الثاني: "الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق الوطنية"[13].

وجاء في ديباجة الدستور المؤقت -الذي صدر في 8/5/1965م[14]- أنه يصدر في ضوء قرارات (المؤتمر الشعبي للسلام)، وهو مؤتمر عُقِد في مدينة خمر بين القوى السياسية والاجتماعية للخروج بحل للأزمة السياسية.

وقد نص هذا الدستور في الباب الأول (نظام الدولة) على أن اليمن: "دولة عربية إسلامية مستقلة، ذات سيادة، وهي جمهورية ديمقراطية برلمانية؛...."[15]؛ وأن: "الشعب مصدر السلطات جميعا، ويزاول سلطاته عن طريق نوابه في مجلس الشورى"[16]؛ ثمَّ عاد ليؤكد أن: "الإسلام دين الدولة والشريعة الإسلامية مصدر القوانين جميعا"[17].

وجاءت في ضمن هذا الدستور إشارة إلى تشكيل تنظيم شعبي سياسي يتولى حشد القوى الشعبية لحماية الثورة والمبادئ الأساسية للدستور وتحقيق أهداف الثورة في تقدم الشعب وحريته ووحدته ورفاهيته[18]، وذلك إنهاء لأزمة الصراع بين قوى الثورة نفسها وكذلك صراعها مع القوى التقليدية في المجتمع.

كما أن دستور 1970م[19] -الذي صدر في 28/12/1970م- أشار في ديباجته إلى أن صدوره جاء بعد مناقشة المشروع على مستوى المواطنين والنخب العلمية والفكرية والثقافية. وقد نص في الباب الأول (الدولة) على أن: "اليمن دولة عربية إسلامية، مستقلة ذات سيادة تامة، وهي جمهورية شورية نيابية،..."[20]؛ وأكد أن "الإسلام دين الدولة،.."[21]؛ وأن: "الشريعة الإسلامية مصدر القوانين جميعا"[22]؛ غير أنه نص أيضا على أن: "الشعب مصدر السلطات"[23].

وفي الباب الثاني (المقومات الأساسية للمجتمع)، نص الدستور على أن: "الأسرة أساس المجتمع، وقوامها الدين والأخلاق والوطنية"[24].

وحسب المادة (159) فإنه بالإمكان تعديل أي مادة من مواد الدستور، مع وجوب أن يكون التعديل بطلب من أعضاء مجلس الشورى.

ومن خلال هذه النصوص نجد أن دساتير الجمهورية العربية اليمنية أسَّس لجملة قيم ومبادئ، منها:

أولا: أن الشعب اليمني هو مصدر جميع السلطات، وأنه يحكم نفسه بنفسه، وأن السيادة للأمة؛ وهي عبارات تشير لمعنى متقارب جرى التعبير عنه صراحة عام 1965م من خلال وصف الدولة اليمنية بأنها جمهورية ديمقراطية برلمانية.

ثانيا: أن الإسلام دين الدولة، وأن التشريع يستند إلى مبادئ الشريعة الإسلامية ولا يتعارض معها، أو بعبارة أخرى الشريعة الإسلامية مصدر القوانين جميعا. وهو ما يعكس بقاء الإسلام في وجدان ووعي المشرعين اليمنيين، وفي أقل الأحوال مراعاتهم للهوية الإسلامية السائدة. وهم بهذه النصوص إنما يخضعون المجتمع لمعتقدات ومبادئ وقيم وأخلاق الدين الإسلامي وتشريعاته في كافة مناحي الحياة.

ثانيا: جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية:

كان استقلال الجنوب اليمني في 30 نوفمبر عام 1967م، حيث جرى الإعلان عن جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية؛ وذلك بعد قيام ثورة شعبية أجبرت الاحتلال البريطاني الذي دام أكثر من 120 عاما في الجنوب على الخروج.

إلا أن التيار اليساري الذي سعى إلى الإمساك بزمام السلطة منفردا عمل على تبني المنهج الاشتراكي في سياسة الدولة والفكر الماركسي كمرجعية فكرية للحكم والثفافة. ومثلت الدولة الجديدة حليفا إستراتيجيا للاتحاد السوفيتي ورأس حربة له في المنطقة –في حينه. وقد دخلت الدولة الناشئة في صراع مع المجتمع في محاولة منها لإخضاعه للأيديولوجيا الشيوعية؛ وقد ذهب ضحية هذا الصراع الكثير من أبناء المجتمع قتلا وتشريدا وتعذيبا.

تأخر صدور أول دستور لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية حتى عام 1970م، وذلك بعد ثلاث سنوات من تاريخ الاستقلال؛ ثُمَّ جرى تعديل هذا الدستور عام 1978م.

وقد نص دستور عام 1970م[25] في الباب الأول (أسس النظام الوطني الديمقراطي الاجتماعي ونظام الدولة)، في الفصل الأول منه (الأسس السياسية) على أن: "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية جمهورية ديمقراطية شعبية ذات سيادة مستقلة..."[26]؛ كما نص على أن "الشعب العامل" يمارس "كل السلطة السياسية في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية"[27]؛ وأن "تنظيم الجبهة القومية" –وهو التنظيم الذي تولى مقاليد الحكم عقب الاستقلال- يقود على "أساس الاشتراكية العلمية، النشاط السياسي بين الجماهير وضمن المنظمات الجماهيرية، بغية تطوير المجتمع بطريقة تستكمل فيها الثورة الوطنية الديمقراطية المنتهجة الطريق غير الرأسمالية".

و"تؤكد الدولة العمل بمبادئ الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي المعترف بها بصورة عامة"[28]؛ و"تعمل الدولة على دعم الأسرة وتحمي الأم والطفل، وتقوم بالإجراءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية اللازمة لتكوين الأسرة تكوينا صحيحا لتقوم بوظائفها"[29].

ونص الدستور في المادة (46) على أن: "الإسلام دين الدولة، وحرية الاعتقاد بأديان أخرى مكفولة، وتحمي الدولة حرية الأديان والمعتقدات طبقا للعادات المرعية، شريطة أن يتمشى ذلك مع مبادئ الدستور".

أما الدستور المعدل -1978م- فنص في الباب الأول (أسس النظام الوطني الديمقراطي)، الفصل الأول الأسس السياسية، في المادة (1) على أن: "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية جمهورية ديمقراطية شعبية ذات سيادة، وهي تعبر عن مصالح العمال والفلاحين والمثقفين والطبقة البرجوازية الصغيرة وكافة الشغيلة، وتسعى لتحقيق اليمن الديمقراطي الموحد، والإنجاز الكامل لمهام مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية تمهيدا للانتقال إلى بناء الاشتراكية".

كما نص في المادة (3) على أن: "الحزب الاشتراكي اليمني المتسلح بنظرية الاشتراكية العلمية هو القائد والموجه للمجتمع والدولة؛ وهو الذي يحدد الأفق العام لتطور المجتمع وخط السياسة الداخلية والخارجية للدولة. وقود الحزب الاشتراكي اليمني نضال الشعب ومنظماته الجماهيرية نحو الانتصار التام لإستراتيجية الثورة اليمنية، واستكمال مهام مرحلة الثورة الوطنية وصولا إلى بناء الاشتراكية".

وحسب المادة (6): "يمارس الشعب العامل كل السلطة السياسية في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" و"مجالس الشعب المنتخبة هي أساس سلطة الدولة" و"تعمل جميع هيئات الدولة على أساس الشرعية الديمقراطية".

وفي المادة (10): "تؤكد الدولة العمل بميثاق جامعة الدول العربية ومبادئ الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي المعترف بها بصورة عامة".

وتظهر النظرية الاشتراكية والفلسفة الشيوعية حاضرة في أبواب وفصول الدستور، التي تتحدث عن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والحقوق والحريات. وهذا كله يأتي في إطار نشر الدولة لـ"أفكار الاشتراكية العلمية بين الجماهير على نطاق واسع"[30]، و"تشجيع الثقافة الإنسانية"[31]، ومحافظة الدولة على "التراث العربي والإسلامي"[32].

ومع ذلك تشير المادة (47) إلى أن: "الإسلام دين الدولة"، لكنها تعود للقول: "وحرية الاعتقاد بأديان أخرى مكفولة".

أما الباب الرابع (الشرعية الديمقراطية.. القضاء والادعاء العام)، فلا يشير في معرض حديثه عن القضاء والتحاكم إلى الشريعة الإسلامية بل إلى ما يصفه بالشرعية الديمقراطية المتمثلة في القوانين.

ومن خلال هذه النصوص نجد أن دساتير جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية أسَّست لجملة قيم ومبادئ، منها:

أولا: أن جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية جمهورية ديمقراطية شعبية، يمارس الشعب العامل فيها كل السلطة السياسية، ومجالس الشعب المنتخبة هي أساس سلطة الدولة، وتعمل جميع هيئات الدولة على أساس الشرعية الديمقراطية.

ثانيا: "تنظيم الجبهة القومية" –وهو التنظيم الذي تولى مقاليد الحكم عقب الاستقلال- يقود على أساس الاشتراكية العلمية النشاط السياسي بين الجماهير وضمن المنظمات الجماهيرية، بغية تطوير المجتمع بطريقة تستكمل فيها الثورة الوطنية الديمقراطية المنتهجة الطريق غير الرأسمالية. وفي مرحلة تالية أصبح الحزب الاشتراكي اليمني –الذي تأسس عام 1978م على خلفية صراع بين أجنحة السلطة- المتسلح بنظرية الاشتراكية العلمية هو القائد والموجه للمجتمع والدولة.

ثالثا: العمل بميثاق الجامعة العربية ومبادئ الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي المعترف بها بصورة عامة.

رابعا: تبني الدولة لنشر "أفكار الاشتراكية العلمية بين الجماهير على نطاق واسع"، وتشجيعها "الثقافة الإنسانية"، وكفالتها "حرية الاعتقاد"، وحمايتها "حرية الأديان والمعتقدات"، مع النص على محافظتها على "التراث العربي والإسلامي"، وأن "الإسلام دين الدولة"، وغياب ما يشير إلى التزام الدولة بالشريعة الإسلامية، وإحلال مفهوم الشرعية الديمقراطية محلها في القضاء والقانون.

أما الإسلام فلم يكن حاضرا كدين مهيمن في فلسفة الدستور للنظام أو المجتمع أو الثقافة، حتى مع وجود إشارة إليه كما سبق.

الجمهورية اليمنية:

نشأت الجمهورية اليمنية على خلفية اتفاق قيادة شطري البلدين سابقا، جرى توقيعه في 22 أبريل 1990م؛ وفي ضوء هذا الاتفاق جرى الاتفاق على دستور دولة الوحدة على أن يصادق عليه من قبل مجلسي الشورى والشعب ويوضع للاستفتاء الشعبي العام في 30 نوفمبر 1990م. إلا أن المعارضة التي لقيها دستور الوحدة أخر الاستفتاء عليه سنة كاملة، حيث جرى بتاريخ 15/5/1991م فحصل على نسبة 96.37% من إجمالي عدد الذين شاركوا في الاستفتاء[33].

وقد اعترض على هذا الدستور علماء اليمن والقوى الإسلامية ومناصريها، باعتبار صياغة هذا الدستور وفق رؤية علمانية توافقية بين نظامي الشطرين. ومع إصرار القيادة السياسية في صنعاء على المضي قدما نحو الوحدة لم تستطع القوى الإسلامية إجراء أي تعديل على دستور دولة الوحدة بالصيغة التي اتفق عليها بين النظامين.[34]

وجاء في الدستور، في الفصل الأول (الأسس السياسية) من الباب الأول (أسس الدولة)، أن: "الإسلام دين الدولة،..."[35]؛ وأن: "الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"[36]؛ وهو ما مثل أول تحول وتحدٍ في شأن سيادة الشريعة الإسلامية (نصا)!

ونص الدستور في المادة (4) أن: "الشعب مالك السلطة ومصدرها، ويمارسها بشكل مباشر عن طريق الاستفتاء والانتخابات العامة، كما يزاولها بطريقة غير مباشرة عن طريق الهيئات التشريعية والتنفيذية والقضائية وعن طريق المجالس المحلية المنتخبة". كما ينص في المادة (5): "تؤكد الدولة العمل بميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وميثاق الجامعة العربية، وقواعد القانون الدولي المعترف بها بصورة عامة".

وقد سمح الدستور في الباب السادس (أصول تعديل الدستور وأحكام عامة) -المادة (129)- بتعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور بدون استثناء بطلب من مجلس الرئاسة أو ثلث أعضاء مجلس النواب.

وعقب الخلاف الذي نشب بين شريكي الوحدة ودخول البلاد في أتون صراع سياسي نشأت عنه حرب (صيف) عام 1994م، والتي حسمت بخسارة الحزب الاشتراكي اليمني الذي كان يسعى بعودة الأوضاع لسابق عهدها قبل الوحدة بإعلانه الانفصال، جرى تعديل الدستور نتيجة اختلاف ميزان القوى السياسية لصالح التوجه الإسلامي بزعامة (التجمع اليمني للإصلاح)، الجناح السياسي لحركة الإخوان المسلمين في اليمن، والذي شارك في الحرب إلى جانب رئيس الجمهورية علي عبدالله صالح وحكومته.

وبالرغم من ذلك فلم يكن دستور عام 1994م مغايرا لسابقه إلا في المادة التي سبق الخلاف عليها؛ حيث جرى تعديل المادة (3) في الفصل الأول (الأسس السياسية)، من الباب الأول (أسس الدولة)، لتكون صياغتها كما يلي: "الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات". وفيما عدا ذلك فإن كثيرا من المواد السابقة ظلت محافظة على صياغتها مع تعديل في أرقامها!

وقد سمح دستور 1994م في الباب الخامس (أصول تعديل الدستور وأحكام عامة) -مادة (156)- على جواز تعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور، بدون استثناء، بطلب من رئيس الجمهورية أو ثلث أعضاء مجلس النواب.

في عام 2001م جرى تعديل للدستور لكنه لم يمس جوهر الأفكار والمبادئ التي وردت في دستور عام 1994م.

ومن خلال هذه النصوص نجد أن دساتير الجمهورية اليمنية أسَّست لجملة قيم ومبادئ، منها:

أولا: أن "الإسلام دين الدولة"؛ و"الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"؛ ولاحقا أنها "مصدر جميع التشريعات".

ثانيا: أن "الشعب مالك السلطة ومصدرها، ويمارسها بشكل مباشر عن طريق الاستفتاء والانتخابات العامة، كما يزاولها بطريقة غير مباشرة عن طريق الهيئات التشريعية والتنفيذية والقضائية وعن طريق المجالس المحلية المنتخبة".

ثالثا: تعمل الدولة "بميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وميثاق الجامعة العربية، وقواعد القانون الدولي المعترف بها بصورة عامة".

هذا مع بقاء جملة من الألفاظ والعبارات المجملة والموهمة وذات القابلية للتفسيرات المختلفة حسب سياق أي طرف، في عدد من الفصول والأبواب.

الخلاصة:

من خلال الاستقراء السابق للدساتير التي جرى إصدارها أو الإعلان عنها في اليمن –قبل وبعد الوحدة- نجد أن هناك تحولات عدة طرأت على صياغة هذه الدساتير نتيجة تصارع القوى السياسية والاجتماعية وتسرب ثقافة وفكر أجنبي على مصطلحات المشرعين اليمنيين. فلم يحافظ الدستور اليمني على استقراره وثباته لأكثر من خمسة عقود، فقد شهدت اليمن –عموما- صدور أو إعلان (7) دساتير مؤقتة أو دائمة، و(18) تعديلا أو إعلانا دستوريا![37] وهذا بدوره انعكس على طبيعة القوانين التي صدرت في ظل هذه الدساتير.

فقد "شهدت اليمن تطورات دستورية متسارعة؛ كانت جلها نتيجة تغيرات سياسية عاصفة. فقد صدرت ما بين 1936م- 2002م أربع وأربعين وثيقة دستورية، منها الميثاق المقدس لعام 1948م، و11 دستورا، و11 إعلانا دستوريا، و6 قرارات دستورية، واتفاق إعلان الجمهورية اليمنية".[38]

"وكانت السمة العامة للدساتير اليمنية تبايُن منشأها بما يمكن قوله مجازا بأسلوب المنحة لعدد منها؛ مثل قوانين مستعمرة عدن ودساتير السلطنة القعيطية لعام 1940م، وإمارة بيحان، واتحاد الجنوب العربي لعام 1959م، وولاية دثينة لعام 1961م، ومستعمرة عدن لعام 1962م، ولحج لعام 1952م، والجمهورية العربية اليمنية لعامي 1963م و1964م، وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية لعام 1970م. ونشأ عدد آخر بأسلوب العقد، مثل الميثاق الوطني المقدس لعام 1948م، ودستورا الجمهورية العربية اليمنية لعامي 1965م و1967م. ونشأ عدد ثالث بأسلوب الجمعية، مثل دستور الجمهورية العربية اليمنية لعام 1970م، وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية لعام 1978م. ونشأ دستور الجمهورية اليمنية لعام 1990م بأسلوب الاستفتاء الشعبي. وعليه فقد نشأت هذه الوثائق الدستورية بجميع أساليب نشأة الدساتير في العالم؛ وإن لم تكتمل شروط نشأتها وفقا لنشأة الدساتير العالمية".[39]

وقد "نصت طائفة من الدساتير اليمنية على أن (دين الدولة الإسلام)، مثل دساتير لحج لعام 1952م، والجمهورية العربية اليمنية للأعوام 1963م، 1964م، 1965م، 1967م، 1970م[40]؛ وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية لعامي 1970م و1978م؛ والجمهورية اليمنية لعام 1990م"؛ و"اعتبرت مجموعة من الدساتير اليمنية الشريعة الإسلامية مصدر القوانين جميعا؛ مثل دساتير الجمهورية العربية اليمنية لأعوام 1964م[41] و1965م و1967م و1970م[42]؛ وتعديل دستور الجمهورية اليمنية عام 1994م؛ و(الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع) في دستور الجمهورية اليمنية لعام 1990م".[43]

ونصت دساتير الجمهورية العربية اليمنية على أن: "اليمن دولة إسلامية عربية" أو "عربية إسلامية"، لعام 1964م المادة (1)، وعام 1967م المادة (1)، وعام 1970م المادة (1)، والإعلان الدستوري لعام 1974م المادة (1).

وهذا كما سبق وأشرنا، مع بقاء ألفاظ وعبارات مجملة وذات فلسفة واصطلاحات أجنبية يمكن أن تفسر على الضد من بعض المواد الواضحة والصريحة في شأن الدين والشريعة ومكانتهما في الدستور والحياة العامة. وهذه المواد كان لها أثر –في ظروف معينة شهدت قوة الحضور الإسلامي- في مدى تعامل المشرع اليمني مع الاتفاقيات والمواثيق الدولية. وكمثال على ذلك جاء في كتاب وثائق ديمقراطية في اليمن (ج6)، والصادر عن الأمانة العام لمجلس الشعب التأسيسي –وهو الهيئة التشريعية في حينه، حول نظرة المجلس للاتفاقية الدولية رقم (156) بشأن تكافؤ الفرص والمساواة في المعاملة بين الجنسين أنه: "تبين للمجلس... أن أحكام هذه الاتفاقية لا تمس تعاليم عقيدتنا الإسلامية الغراء وعاداتنا وتقاليدنا..."[44]؛ كما جاء في كتاب وثائق ومنجزات مجلس الشورى (للفترة من يوليو 1988م- حتى ديسمبر 1989م)، والصادر عن الأمانة العامة للمجلس، في شأن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري أنه: "وبعد الدراسة ومراجعة مواد الاتفاقية المذكورة ومناقشتها مناقشة مستفيضة من قبل المجلس على ضوء الثوابت التشريعية في بلادنا المستمدة من روح الإسلام الحنيف، اتضح -له من خلال ذلك- أن هذه الاتفاقية وأهدافها قد جاءت منسجمة مع ما ترمي إليه تشريعاتنا النابعة من الشريعة الإسلامية الغراء؛ إلا أن بعض فقرات وبنود المادة (5) من الاتفاقية قد جاءت مخالفة للضوابط والقيود التي يجب على المسلم أن يتقيد بها"؛ وعقب ذكر المواد التي تحفظ عليها المجلس ذكر المجلس أنه بنى تحفظه على نصوص واضحة من كتاب الله (القرآن الكريم وسنة رسوله محمد –صلى الله عليه وسلم، وأضاف:

"ففيما يتعلق بالحقوق السياسية لا يجيز الإسلام تولية غير المسلم على المسلمين، لقوله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) سوة النساء، وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا) سورة آل عمران. وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) سورة المائدة، وغيرها من الأدلة المحرمة لذلك. وأما حق الزواج فقد حرم الإسلام زواج الكافر بالمسلمة، قال تعالى: (لا هُنَّ حل لهم ولا هم يحلون لهَنَّ) سورة الممتحنة. وأما حق الإرث فإنه لا توارث بين أهل ملتين، كما جاء في الحديث: (لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر). وأما ما يتعلق بحرية الفكر والعقيدة والدين فإن الإسلام حرم الخروج منه، وعاقب عليه، لقوله عليه الصلاة والسلام: (من بدل دينه فاقتلوه)، وحديث: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة)"[45].

أما في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية فيختلف الأمر في عدة نواحي. فالدستور لا يأتي على ذكر الشريعة الإسلامية، في حين يشار للإسلام على أنه: "دين الدولة" في المادة (46) من دستور عام 1970م، والمادة (47) من دستور عام 1978م. ويشار إلى الإسلام في موطن آخر باعتباره موروثا ثقافيا: "تحافظ الدولة على التراث العربي والإسلامي"، المادة (31) دستور عام 1970م والمادة (30) دستور عام 1978م.

وعوضا عن الإسلام تظهر مبادئ الاشتراكية العلمية في ثنايا الدستورين (1970م، 1978م) من خلال الجوانب الاقتصادية والسياسية والتصريح بأن الحزب الاشتراكي اليمني: "المتسلح بنظرية الاشتراكية العلمية هو القائد والموجه للمجتمع والدولة".. "وصولا إلى بناء الاشتراكية" (مادة 3 دستور 1978م)؛ وفي ضوء هذه المادة تفهم بقية المواد.

وينص دستور عام 1978م على تأكيد الدولة العمل بمبادئ الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ وهو ما لم تنص عليه دساتير الجمهورية العربية اليمنية قبل الوحدة.

هذا التباين في توجهات كلا النظامين الفكرية والسياسية، انعكس بدوره على الموقف من الوحدة ودستور عام 1990م، الذي نشأ عن توافق بين قيادة البلدين.

فقد أشار الرئيس علي عبدالله صالح –في مقابلة معه حول الوحدة في 19/3/1990م، حول التنازلات التي قدمها كل طرف من أجل قيام دولة الوحدة، إلى أن كلا الطرفين قدم "تنازلات من أجل تحقيق هذا الهدف"؛ وهذه التنازلات لم تكن في قضايا ثانوية وشكلية بل مست قضايا جوهرية تمس هوية الدولة فقد أشار الرئيس إلى وجهتي نظر (!!)، وجهة ترى أن تكون الدولة علمانية[46] وأخرى ترى أن تكون الدولة إسلامية!

ثم يضيف الرئيس: "ولكن في حقيقة الأمر اليمن هي بلد الإسلام، بلد إسلامي عربي قومي، دين الدولة هو الدين الإسلامي الحنيف، واللغة الرسمية للدولة هي اللغة العربية، هذه هي الدولة اليمنية القائمة في الوقت الحاضر، والتي ستقوم في المستقبل (الجمهورية اليمنية دولة عربية إسلامية)، فكل القوانين تستوحى من الشريعة الإسلامية، وبطبيعة الحال فإننا سنتعامل في ظل التطورات العالمية مع القوانين الدولية بحسب ما تقتضيه المصلحة العامة، ما كانت نصوص شرعية إسلامية سنلتزم بها، وما كانت تقتضيه المصلحة العامة أن نسير في اتجاه ما يعالج المصلحة العامة بأي اتفاقية دولية مع أي منظمة بحسب ما هو ساري العرف في المجتمع الدولي فلن نكون في معزل عن التطورات العالمية في العالم، سنواكب هذه التطورات بما لا يخل بعقيدتنا الإسلامية وبتراثنا الحضاري".[47]

غير أن ما جرى على أرض الواقع فعليا وتم صياغته في الدستور هو تلفيق بين وجهتي النظر ليكون ذلك مخرجا للأزمة التي عُرِفت في الشمال باسم (معركة الدستور).

فقد نصت المادة (2) بأن: "الإسلام دين الدولة..."، والمادة (3): "الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع"، مع التأكيد في المادة (5) على: "العمل بميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان..."، وفي المادة (27) على أن: "المواطنون جميعهم سواسية أمام القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة. ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو اللون أو الأصل...".

وقد نشأ عن خسارة الحزب الاشتراكي اليمني لحرب عام 1994م خروجه من معادلة التأثير السياسي ليحل محله حزب التجمع اليمني للإصلاح –الإسلامي التوجه. وقد أثر هذا الواقع في صياغة الدستور بشكل جديد، فنصت المادة (3) من دستور عام 1994م بأن: "الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات"، وعاد الحديث في المادة (26) عن أن: "الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن..." والتي غيبت عن دستور 1990م، وأضيف لها: "النساء شقائق الرجال ولهن من الحقوق وعليهن من الواجبات ما تكفله وتوجبه الشريعة وينص عليه القانون".[48]

بهذا نخلص إلى أن التحولات الدستورية في اليمن كانت انعكاسا لموازين القوى السياسية المؤثرة على المشهد السياسي، ففي الوقت الذي كانت القوى الاشتراكية تنفرد بحكم الجنوب كانت مواد الدستور تعكس الفكر الماركسي والرؤية الشيوعية، وفي الوقت الذي كانت فيه القوى الإسلامية حاضرة بقوة في الشمال كانت مواد الدستور تراعي طبيعة المجتمع اليمني المسلم؛ فلما جرى توحيد شطري البلدين وأصبح الاشتراكي جزءا من السلطة جرى تعديل الدستور ليكون (تلفيقيا) بين التوجهات والقوى المؤثرة، فلما قضي على الحزب الاشتراكي كقوة عسكرية وأصبح التحالف مع القوى الإسلامية ضروريا جاءت صياغة دستور 1994م متأثرا بهذا الواقع الجديد.

ومعلوم أن هذه التحولات لا تقتصر بدورها على نصوص الدستور فقط فهي قواعد عامة يبني عليها (المشرعون) في مجلس النواب (القوانين) التي تفسر هذه القواعد وتحيلها لأحكام إجرائية تنفيذية؛ سواء على صعيد القضاء والحكم أو على صعيد السياسات والبرامج الحكومية أو على صعيد المناهج الفكرية والثقافية لأجهزة الدولة ومؤسساتها التعليمية والتربوية والثقافية. لذا كان علي سالم البيض –أمين عام الحزب الاشتراكي- يعارض مسألة تعديل دستور الوحدة من منطلق أنه سيُعتَمَدُ على مواد الدستور: "في صياغة القوانين اللاحقة لدولة الوحدة"[49].

ختاما نجد أن حضور الإسلاميين بقوة على الساحة الاجتماعية وفي العملية السياسية حافظ خلال مراحل سابقة على سيادة الشريعة وبقاء الهوية، وقلل من مفاسد تغول المفاهيم الدخيلة والتشريعات المخالفة إلى حدٍ كبير في الحياة والثقافة اليمنية. وعند أي غياب لهم كان التحول كارثيا في هذا الجانب سواء بالتغيير الكلي أو الجزئي كما حصل بعد عام 1997م.

-------------

[1]  المسألة الدستورية في اليمن التطور والآفاق، محمد أحمد الغابري، إصدار وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، ط 2004م، ص31.

[2]  أصول علم الاجتماع السياسي.. السياسة والمجتمع في العالم الثالث، محمد علي محمد، دار المعرفة الجامعية، القاهرة، ط 1989م: ج3/175.

[3]  الدولة في العالم الثالث، أحمد زايد، دار الثقافة، القاهرة، ط1- 1985م: ص157.

[4]  الدساتير في العالم العربي.. نصوص وتعديلات، مرجع سابق، ص639- 660.

[5] مادة (2).

[6]  مادة (3).

[7]  مادة (5).

[8]  الدساتير في العالم العربي.. نصوص وتعديلات، مرجع سابق، ص639- 660.

[9]  مادة (1).

[10]  مادة (2).

[11]  مادة (3).

[12]  مادة (4). وتنص المادة (141) على أن: القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون المستمد من الشريعة الإسلامية. ولا يجوز لأي سلطة التدخل في القضايا أو في شئون العدالة.

[13]  مادة (6).

[14]  الدساتير في العالم العربي.. نصوص وتعديلات، مرجع سابق، ص639- 660.

[15]  مادة (1).

[16]  مادة (2).

[17]  مادة (3).

[18]  المواد (24-28).

[19]  الدساتير في العالم العربي.. نصوص وتعديلات، مرجع سابق، ص639- 660.

[20]  مادة (1).

[21]  مادة (2).

[22]  مادة (3).

[23]  مادة (4).

[24]  مادة (7).

[25]  الدساتير في العالم العربي.. نصوص وتعديلات، إعداد وتحقيق د. يوسف قزماخوري، دار الحمراء، بيروت، ط1، 1989م، ص627.

[26]  مادة (1).

[27]  مادة (7).

[28]  مادة (13).

[29]  مادة (29).

[30]  مادة (29).

[31]  مادة (30).

[32]  مادة (30).

[33] بلغت نسبة المشاركين في الاستفتاء 73.61% من عدد المسجلين في كشوفات القيد والذين بلغت نسبتهم 30% من عدد من يحق لهم التصويت الذين بلغوا 44.21% من إجمالي عدد المواطنين!!

[34]  انظر بهذا الشأن كتاب: معركة الدستور في اليمن، د. عبدالله المصري، بيت الحكمة للإعلام والنشر والتوزيع، مصر.

[35]  مادة (2).

[36]  مادة (3).

[37]  إن من أهم القواعد المتفق عليها بين علماء الفكر والسياسة هي أن ثبات الدستور في دولة ما يعكس مقدار الاستقرار الذي تتمتع به البنى الفكرية والقيمية والأخلاقية لدى التنظيمات والقوى السياسية الفاعلة في مجتمع ما؛ وأن إجماع المشرعين على تفسير نصوص هذا الدستور وتحويل قواعده إلى أحكام قانونية متفق عليها يمثل مؤشرا على وجود أرضية واسعة من المشترك الفكري والثقافي والمعرفي والغائي. والعكس صحيح، فكلما وقع الدستور تحت طائلة التبديل والتحويل والإضافة والحذف كان ذلك دليلا على اختلاف إرادة المشرعين وتباين وجهات نظرهم وضيق الأرضية المشتركة بينهم؛ ومن ثمَّ عدم الاستقرار السياسي إما على صعيد النظرية أو التطبيق.

[38]  وثائق دستورية يمنية، أ. د. قائد محمد طربوش، مكتبة العروة الوثقى، تعز، ط3/ 2003م؛ ص8.

[39]  المرجع السابق.

[40]  وكذلك الإعلان الدستوري رقم 22 لعام 1974م المادة (3).

[41]  نص دستور عام 1963م على أن: "الإسلام دين الدولة الرسمي، والتشريع فيها يستند إلى مبادئ الشريعة الإسلامية الغراء لا يتعارض معها"، مادة (3).

[42]  وكذلك الإعلان الدستوري رقم 22 لعام 1974م المادة (4).

[43]  المرجع السابق.

[44]  ص255.

[45]  ص336- 337.

[46]  وأكثر من عبر عن وجهة النظر هذه رموز الحزب الاشتراكي اليمني، فقد صرح علي سالم البيض –أمين عام الحزب- لصحيفة 14 أكتوبر –عدد 7899 في 24/12/1989م بأن: "أفضل السبل وأنجحها للتسريع في تطبيق اتفاق عدن التاريخي والتعجيل ببزوغ فجر دولة الوحدة، الشروع في تطبيق برنامج واسع لإصلاحات شمولية تشمل مختلف جوانب شعبنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية على طريق تأسيس دولة الوحدة العلمانية"؛ وفسر عمر الجاوي –أحد المشاركين في وضع دستور الوحدة- (الإسلام دين الدولة): "فالإسلام دين وليس أيديولوجيا، وليس كما يعتقد البعض، فهو دين الجميع بما في ذلك الشيوعيون"، مجلة الحكمة 13/12/1989م. انظر: معركة الدستور في اليمن، د. عبدالله المصري، ص30- 31.

[47]  نص مقابلة تلفزيون أبو ظبي مع الرئيس علي عبدالله صالح على موقع الرئيس: www.presidentsaleh.gov.ye.

[48]  رغم ما سبق ظل دستور عام 1994م محافظا على نصوص بعض المواد التي تتعارض مع حقيقة المواد المذكورة أعلاه، وليس المجال مجال مناقشتها.

[49]  معركة الدستور في اليمن، ص34

استطلاع رأي

ما هو تقييمك للموقع الجديد؟

مركز الاعلام

الصحف الكويتية تتناول أخبار مؤتمر (وحدة الخليج والجزيرة العربية) وتشير إلى مشاركة رئيس المركز في فعالياته...

في مؤتمر اتفاقيات المرأة بالمنامة: خبراء ومفكرون عرب يحذِّرون من اتفاقيات دولية تدعو إلى المعارضة للدين والأخلاق بالإباحية

دراسة تحذر من مآلات (أزمة الجنوب) وشبح التقسيم

صحيفة الغد: دراسة تحذر من تنامي ظاهرة "العنف الإسلامي" مستقبلا

قضايا المرأة اليمنية بمنظور الشرع والتقاليد والواقع

26 سبتمبر: (العنف في اليمن) كتاب لـ(أنور الخضري)

عقلية علمانية أم مطلب حقوقي؟ جدل الحركة النسوية في اليمن يعيد مصطلحات الخلافات الأيدلوجية

معرض الصور

المزيد

معرض الملتميديا

المزيد
2018