السبت 8 جمادى الآخر 1439 هـ الموافق 24 فبراير 2018 م

التقارير

التدخل الأجنبي في ثقافة الرئيس: مبدأ أم حالة وعي؟

الثلاثاء 16 ربيع الأول 1431 هـ     الكاتب : أ. أنور قاسم الخضري

عدد الزيارات : 155

يُعدّ علي عبدالله صالح رمزًا للقيادة السياسية اليمنية باعتباره تولى رئاسة اليمن خلال فترة امتدت لأكثر من 32 عامًا، شهدت فيها الساحة الداخلية والإقليمية والدولية تحولات وأحداثًا كبرى، وتمثل مواقفه وآراؤه انعكاسًا لحالة الوعي والالتزام التي تتحلى بها النخبة الحاكمة في اليمن. ومن هذا المنطلق فإن البحث في نظرة الرئيس علي عبدالله صالح للتدخل الأجنبي ومواقفه منه تحظى بأهمية كبرى في إطار تقييم الوضع القائم اليوم وأبعاده.

لقد تولى علي عبدالله صالح عام 1978م رئاسة الجمهورية العربية اليمنية في ضوء ظروف داخلية وإقليمية ودولية يغلب عليها طابع التنافس والصراع، وحالة من التدخل الخارجي والأجنبي في المنطقة. وإذا كان هذا التدخل الأجنبي لم يغب على المنطقة طيلة الفترة الماضية فإننا يمكن أن نرصد ونحلل موقف الرئيس علي عبدالله صالح من التدخل الأجنبي زمنيًا في ثلاث دوائر:

الأولى: دائرة السياسة الدولية.

الثانية: دائرة السياسة العربية والإسلامية.

الثالثة: دائرة السياسة اليمنية.

أولا: السياسة الدولية:

لقد تمسكت القيادة السياسية في اليمن خلال فترة الثمانينات بمبدأ الحياد والبعد عن الصراع الدولي الذي كان قائمًا بين المعسكرين الشرقي والغربي. فقد حافظت اليمن على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف الدولية، بما فيها القوتان العظميان: الاتحاد السوفييـتي والولايات المتحدة الأمريكية.

يقول الرئيس صالح: "نحن نقدر الحساسيات البالغة التي يمثلها موقع بلادنا الجغرافي والاستراتيجي الهام ونضع حساباتنا الدقيقة من أجل الحفاظ على هذا الموقع في خدمة المصلحة اليمنية العليا والمصلحة القومية لأمتنا العربية، ولا شك أنك تذكر بأنه كان لباب المندب دور مؤثر في صنع انتصار حرب أكتوبر ضد العدو الإسرائيلي الصهيوني، ونحن على استعداد كامل لتحمل الأعباء الكاملة التي يمثلها وجودنا الحضاري والأمني في هذه المنطقة العربية، ولا شك أن لهذا الموقع أثره في النهج السياسي الذي نسير عليه والذي جعلنا نلتزم بمبدأ الحياد الإيجابي وعدم الانحياز ورفض الانضواء تحت راية الأحلاف والتكتلات الأجنبية أيًا كان نوعها، وبالنسبة للخطوط العامة لسياسة بلادنا الخارجية فهي ترتكز باختصار على التزامنا المبدئي بانتمائنا القومي ومصالح الأمة العربية وقضاياها القومية والمصيرية، والتقيد بسياسة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز، والانفتاح في علاقاتنا مع كل الدول على أساس الاحترام المتبادل والمعاملة بالمثل، وعدم التدخل في الشئون الداخلية، والإيمان بأهمية التعاون والتعايش السلمي وفق سياسة متوازنة، ونحن لا ننتهج سياسة التوازن كغاية فحسب وإنما أيضًا كوسيلة ضرورية تتيح لنا فرصة التعاون مع الجميع في بناء بلادنا وتنمية قوتنا الذاتية، وبالنسبة لسياسة المحاور فنحن كما نرفضها تعتبر بلادنا في موقع شوكة الميزان التي لا يمكن أن تحيد إلى اليمين ولا اليسار ولا لهذا التكتل أو ذاك".[1]

وفي حوار صحفي، وحول طبيعة علاقة اليمن مع الاتحاد السوفييتي، أشار الرئيس صالح إلى أن زيارته للاتحاد السوفييتي تمت لتلبية رغبة مشتركة بين البلدين لتطوير العلاقات القائمة على انتهاج سياسة عدم الانحياز التي حددتها أهداف ثورة 26 سبتمبر وتطبيقها بما يخدم مصالحنا الوطنية والقومية والتعايش السلمي في العالم و"عدم التدخل في الشؤون الداخلية".[2]

وفي موضع آخر يبين الرئيس بأن مواقف اليمن النابعة من التزامها بالانتماء القومي وحرصها على المصالح العربية العليا: "مكننا من أن نحافظ على علاقتنا الحميمة مع كل الدول العربية دون أن ننجر إلى فك الارتباط وخلف نزاعات جانبية مع أي منها، تقديرًا منا للمصلحة العربية وأهمية احترامها والحفاظ عليها، وهذا أيضًا هو ما عكس نفسه على سياستنا الخارجية على الصعيد الدولي عبر ترجمتنا لمبدأ الحياد الإيجابي وعدم الانحياز في علاقتنا الدولية، فالاحترام المتبادل والعلاقات الأخوية المتكافئة ورفض التدخل في الشئون الداخلية والحرص على قيام العمل القومي المشترك ورعاية المصلحة العليا لأمتنا العربية هي باختصار الأسس التي نتبعها في علاقتنا مع الأشقاء".[3]

ويعيد الرئيس تأكيد المعنى السابق بقوله: "إن التزامنا المبدئي بالحياد الإيجابي وعدم الانحياز قولًا وعملًا وسلوكًا وتجاه كافة المواقف والقضايا ومستجدات الأحداث سيظل -كما قلنا- ميزانًا دقيقًا لعلاقاتنا الخارجية، وبالأخص كما أشرت في سؤالك مع الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، وأن صداقتنا هي صداقة مبنية على الانفتاح ومبنية على الحياد وعلى مبدأ الاستفادة من الآخرين والارتباط معهم بعلاقات متكافئة قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشئون الداخلية".. و"نحن لا يمكن أن نحيد عن هذه السياسية لأنها تمثل بالنسبة لنا سياسة وجود.. وسياسة حفاظ على كياننا المستقل وطنيًا وقوميًا".[4]

هذه العلاقة المتوازنة التي اتبعتها القيادة السياسية أثارت تساؤلات وسائل الإعلام كثيرًا، خاصة في تلك الحقبة، لذا في حوار مع مجلة "المجلة"، وفي إجابة للرئيس عن: كيف تحدد اليمن علاقاتها مع القوتين الكبريين أمريكا والاتحاد السوفييتي سواء في الشئون الداخلية أو الخارجية؟ قال: "هناك المبادئ التي تحكم علاقاتنا الثنائية بكل الدول في العالم بما فيها الدولتان المشار إليهما -الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة, إذ أن علاقاتنا مع كل منهما محكومة باعتبارات مصلحتنا الوطنية وما تقتضيه من إقامة علاقات مع سائر الدول ترتكز على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشئون الداخلية واحترام المصالح المشتركة, فالجمهورية العربية اليمنية دولة غير منحازة وكما تعلم فإنها إحدى الدول المؤسسة لحركة عدم الانحياز وملتزمة بكل التبعات التي تترتب على انتهاج هذه السياسة".[5]

وفي مقابلة أخرى[6] قال الرئيس: "لكننا نتحرك ونعمل في حدود تقديرنا للمكانة التي تحتلها بلادنا والسياسة التي نرسمها وسنظل نعمل على أن تبقى هذه المنطقة بعيدة عن كل أنواع التدخل الخارجي والتواجد العسكري الأجنبي".

وهذه سياسة اتبعتها اليمن مع غالبية الدول الكبرى في حينه: "أننا نعتقد أننا نقيم علاقاتنا الدولية مع الولايات المتحدة ومع الاتحاد السوفييتي ومع الصين ومع أوروبا ومع وارسو ومع كل بلدان العالم، ولن يكون فيها تمييز، في حدود المصالح المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية"[7]؛ "علاقة بلادنا تقام مع كل بلدان العالم على السواء، علاقة بلادنا مع الاتحاد السوفييتي ومع الولايات المتحدة الأمريكية، وكذا علاقاتها مع أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية، واضحة وتنطلق من مبادئ الثورة والمصالح العليا لشعبنا، والعلاقة مع الشرق ليست على حساب علاقاتنا مع الغرب، وعلاقاتنا مع الغرب ليست على حساب علاقتنا مع الشرق، ذلك أن علاقة بلادنا مع الغير تنطلق من نهج ثابت وواضح يقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشئون الداخلية".[8]

هذه السياسة وهذا النهج المتوازن جاء في ظل توازن دولي بين المعسكرين الشرقي والغربي، والذي سمح بالمناورة في السياسة والعلاقات الدبلوماسية، يقول الرئيس: "أولًا بالنسبة لعلاقات اليمن مع العالم الخارجي نحن نقيم علاقات جيدة وممتازة مع المنظومة الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي، ونقيم علاقات جيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية، وتقوم هذه العلاقات في كل المجالات على أساس المصالح المشتركة وعدم التدخل في الشئون الداخلية، بالنسبة لتواجد الخبراء السوفييت والأمريكان أو الغربيين.. هم بالفعل موجودون لدينا في اليمن سواء على الصعيد المدني أو العسكري، ويعملون معًا وفي مواقع مشتركة في بعض الأحيان. ونحن أعلنا في عام 1980م سياسة تنويع مصادر التسليح بالرغم من أننا نعتمد في معظم تسليحنا على الاتحاد السوفييتي وعلى الكتلة الشرقية، ولكننا لم نجد أن هناك مانعًا في تنويع مصادر تسليحنا من الشرق والغرب على حد سواء، وحسب إمكانياتنا وعلى أساس المصالح المشتركة، وعلى أساس عدم التدخل في الشئون الداخلية، وهذه منافع مشتركة تقوم على الاحترام المتبادل.. وليس من مصلحة اليمن ومن خلال موقعها الهام والاستراتيجي في جنوب الجزيرة العربية أن تكون منحازة لأي معسكر. نحن من ضمن الدول الفعالة في حركة عدم الانحياز، وعلى هذا الأساس تقوم علاقاتنا المتوازنة مع الجميع. ونحن حينما نستورد هذه القطع من الأسلحة -سواء كانت شرقية أو غربية- نستوردها قطعة أو كتلة من الحديد، ولا نستورد معتقدات دولها، وهذه القطع سواء كانت شرقية أو غربية فإنها عندما تصل إلى بلادنا تصبح يمنية، وعلى هذا الأساس وبهذا المفهوم المتوازن تقوم علاقاتنا مع الشرق والغرب"[9].

وحول سؤال عن علاقة اليمن بالسوفييت والولايات المتحدة الأمريكية، أجاب الرئيس: "مصلحة اليمن تقتضي إقامة علاقات مع كل الأطراف، مع الغرب ومع الشرق، وفي حدود المصالحة المشتركة، مع عدم التفريط في السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشئون الداخلية"[10].

ومع انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي وتحول النظام العالمي إلى نظام أحادي القطبية، ظلت القيادة السياسية محافظة على هذا المبدأ والسلوك الدبلوماسي. يقول الرئيس صالح -في مقابلة مع صحيفة (26 سبتمبر) اليمنية، بتاريخ 23/2/1989م: العلاقات اليمنية- الأمريكية كغيرها من العلاقات مع مختلف الدول تقوم على أساس الاحترام المتبادل والتعامل المتكافئ وعدم التدخل في الشئون الداخلية. ويقول -في مقابلة مع مجلة (أضواء اليمن)، بتاريخ 13/7/1990م: تربط اليمن بالاتحاد السوفييتي علاقات صداقة وتعاون تاريخية جسدها وقوفه إلى جانب الثورة اليمنية في أحلك الظروف، مضيفًا بأن هذه العلاقات "قائمة على أسس من التعاون والتعامل المتكافئ والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشئون الداخلية، وهي في تطور مستمر، وتحكمها المعاهدات والاتفاقيات الموقعة التي في إطارها يقوم الاتحاد السوفييتي الصديق بتنفيذ بعض المشاريع في الجمهورية اليمنية بخبرات فنية يمنية وسوفييتية، وعلى العموم فليس هناك أي وجود عسكري أجنبي في اليمن".

وأشار الرئيس صالح في مقابلة أخرى مع صحيفة (الواشنطن بوست) الأمريكية، في 26/11/1990م، إلى وجود مستشارين سوفييت في الشمال وفي الجنوب، قبل الوحدة وبعدها، وإلى وجود خبراء أمريكيين وأجانب من جنسيات عديدة، نافيًا أي وجود عسكري، في سقطرى أو غيرها، لا للسوفييت، ولا لغيرهم.. مؤكدًا رفضه لـ"أي تواجد عسكري أجنبي على الأراضي اليمنية".

ثانيا : السياسة العربية والإسلامية:

تزامن مع تولي علي عبدالله صالح للرئاسة اشتعال حربين خطيرتين في المنطقة، إحداهما بين العراق وإيران، حيث دخل البلدان الجاران في حرب دموية دامت لأكثر من ثمان سنوات، وكانت لها دوافعها من قيادة النظامين السياسيين في كلا البلدين، لكنها أخذت صبغة قومية، ولم تخل من تدخل أجنبي لتغذية الصراع، واستنزاف ثروات المنطقة.

أما الحرب الأخرى فكانت الحرب الأهلية في لبنان، والتي أخذت طابعًا طائفيًا وفي صورة إبادة جماعية على الهوية. ومثل الحرب الأولى، كانت حرب لبنان الأهلية ميدانًا للتدخل الأجنبي السافر؛ في وقت عجزت فيه الدول العربية عن حل الأزمة.

في هذه الأثناء صدرت عن اليمن مواقف سياسية ثابتة، وتكررت في تصريحات وخطابات رئيس الجمهورية، وعبرت عن رؤية واعية لطبيعة التهديدات التي كانت تحيط بالمنطقة في حينه.

ففي خطاب له حذر الرئيس من استمرار الحرب بين العراق وإيران وانعكاساتها على المنطقة، وإذ قدر للعراق استجابته لجهود الوساطة الدولية المختلفة لإيقاف الحرب وقبوله بقرارات مجلس الأمن الدولي، دعا صالح المسئولين في إيران إلى إن يستجيبوا لجهود السلام، ذلك أن "عدم استجابة إيران لنداءات السلام وكل القرارات الدولية الداعية لإنهاء الحرب، يلقي عليها مسئولية استمرارها وإتاحة الفرصة للوجود الأجنبي في منطقة الخليج بما يترتب على ذلك من تحول خطير في سير الأحداث ونتائجها، وهو ما لا يخدم شعوب المنطقة ولا مصالحها، بل يصب في صالح إسرائيل والطامعين في خيرات المنطقة والمتربصين بها".[11]

وفي الشأن اللبناني صرح الرئيس صالح قائلًا: "نحن لن نقصر في القيام بأي دور يطلب منا من أجل المشكلة اللبنانية.. ونتفق بأن لبنان لو سلم التدخلات الخارجية إضافة إلى وعي كل اللبنانيين بأهمية تغليب المصلحة الوطنية والقومية للبنان لاستطاع أن يتقدم خطوات مثمرة نحو السلام وتأكيد وحدة الأرض اللبنانية. ولا أخفيك بأن الجرح اللبناني سيظل مصدر إيلام كبير لنا نحن اليمنيين حتى نتمكن من معالجته بالتعاون مع اللبنانيين أنفسهم ومع الدول العربية وقبل فوات الأوان؛ وخاصة ونحن ندرك جيدًا بأن الهدف القادم للمطامع التوسعية الصهيونية هو الجنوب اللبناني.. بل ولبنان برمته"[12]؛ وأكد: بـ"أن التدخل الاستعماري الأخير ضد شعبنا العربي المسلم في لبنان ليس جديدًا، فتلك هي القوى الاستعمارية والطامعة في تكوينها وتركيبها لا هم لها غير الابتزاز وإشباع رغباتها سواء بالتدخل المباشر أو غير المباشر.. وإننا لا نكشف جديدًا -أيها الإخوة- فالتدخل السافر في لبنان يوضح أكثر وأكثر لكل القيادات العربية والإسلامية أن القوى الاستعمارية بكل تقنيتها العسكرية هي دائمًا ضد الحقوق العربية والإسلامية، وهي دائمًا حامية حمى ركيزتها في المنطقة الكيان الصهيوني، فهي التي أوجدت إسرائيل لتحقيق أغراضها للسيطرة على المقدرات العربية والإسلامية والتي تستهدف دائمًا طمس حقيقة ووجود المسلم العربي بالضرورة، وإننا -أيها الإخوة- انطلاقًا من سياستنا الثابتة والواضحة ندين هذا التدخل السافر في القطر اللبناني الشقيق، والذي يأتي ضمن حلقات التآمر والهجمات الشرسة ضد أمتنا العربية والإسلامية ومستقبل أجيالنا, ونؤكد أنه لابد من موقف عربي إسلامي موحد يواجه هذه الغطرسة والعربدة, كما ندين كل أنواع التواطؤ المغلفة بالشرعية والمعززة بالقوة الصهيونية الإمبريالية التي أتاحت لتحالف القوى الحاقدة على الإسلام أن تستعد لتوجيه هجمات شرسة ضد المسلمين في لبنان ضمن حربها ضد عقيدة الإسلام وكتاب الله وسنة رسوله الأعظم. إن ما يجري على الساحة اللبنانية والعربية والإسلامية من أحدث تقشعر لها الأبدان وما واكب هذه الأحداث من صمت مريب ولا مبالاة من قبل العالمين العربي والإسلامي لهما الخسران المبين".[13]

وفي موطن آخر يذهب الرئيس إلى أن التدخل في لبنان له حساباته البعيدة: "إن موقفنا واضح، فنحن نرفض تدخل أي دولة أجنبية في شئون أي قطر عربي، ولا يستبعد أن يكون لما يحدث في لبنان تأثيرات على حرب الخليج. أما أن تكون منطقة الشرق الأوسط بؤرة للصراع بين الدول العظمى فإن ذلك أمر له حساباته البعيدة لدى القوتين العظميين"[14]؛ ويضيف في مقام آخر: "حقيقة الأمر في الوقت الحاضر أن الكثير من الدول الكبرى أو معظمها -لا نستطيع أن نحددها بالعملاقين- ضالعة في المشكلة، ولا نريد أن نذكرها بالاسم"، ويحمل صالح العرب أنفسهم مسئولية هذا التدخل الأجنبي بقوله: "لكننا في الحقيقة لا نحمل هذه الدول المسئولية بل نتحمل المسئولية نحن العرب، ويتحملها قبل العرب اللبنانيون أنفسهم في أن يعالجوا مشكلتهم بأنفسهم بتوحيد الصف اللبناني والاتفاق على صيغة مشتركة وعمل وطني موحد لأن ذلك هو الذي سيقطع دابر كل أنواع التدخلات في لبنان، العائلة اللبنانية الواحدة هي التي تستطيع أن تحل المشكلة، بالتالي تأتي الخطوة الثانية من العرب، وذلك بدعم اللبنانيين لحل مشكلتهم كخطوة لاحقة، وتليها خطوات أخرى من الدول الكبرى لمساندة العرب ومساندة اللبنانيين لحل المشكلة لأن اللبنانيين صاروا في أوضاع غير مرضية". وأضاف: "تعددت الولاءات والاتجاهات، والمشكلة كبيرة، واللبنانيون أوعى من غيرهم، فنحن نأمل من أخواننا في لبنان أن يعملوا على تجاوز هذا الخطر، وأن يشعروا بجسامة هذا التآمر الخطير على الشعب العربي اللبناني، وأن يعرفوا جيدًا الأساس في حل المشكلة، فإذا شعروا بهذا الخطر بدأوا يقومون بمسئولياتهم في توحيد كلمتهم والاتفاق على صيغة مشتركة فسوف يباركها العرب بل ويجب على العرب أن يساعدوا اللبنانيين على المشكلة".[15]

وإزاء حالة لبنان عبرت القيادة السياسية عن مساندتها للبنان: "نحن حريصون في اليمن على إنهاء محنة الشعب اللبناني الشقيق، ودعم كافة الجهود التي تجنب لبنان التمزق والانهيار وعدم التدخل في شؤونه الداخلية من أي قوة إقليمية أو دولية، وكفالة استقراره ووحدته واستقلاله كقطر عربي له تاريخ حضاري مشرق"[16]. وسبق للرئيس اليمني أن طلب من العرب –في وقت مبكر[17]- من أجل حل القضية اللبنانية رفع أيديهم عنه، وأن "يكفوا عن التدخل في شئونه الداخلية".

حتى في ظل الأوضاع الجديدة للبنان، والتي أعقبت مقتل رفيق الحريري، أكد الرئيس أن هناك قوى دولية دخلت الساحة اللبنانية وأثرت عليها، "فالأمريكان لهم وجود وتأثير، والفرنسيون لهم وجود وتأثير، ودول المنطقة لهم وجود، وكل طرف يدعم تيارًا معينًا"، وأضاف: قلنا لهم "يجب أن يتحاوروا ويلتزموا بالدستور اللبناني، وبذلنا ما نستطيع، لكن هناك تدخل دولي كبير، بالإضافة إلى التعقيدات الإقليمية، ولكل واحد حساب، الأمريكان يتهمون سوريا بالتدخل، ويتهمون إيران بالتدخل، وكل واحد يريد أن يلوي ذراع الآخر في لبنان، والضحية هو الشعب اللبناني، ونحن ننبه الشعب اللبناني ألا يكونوا ضحية للتدخلات الدولية".[18]

هذا الوعي والشعور الذي أبداه الرئيس صالح تجاه مسألة التدخل الأجنبي لم تقف عند هاتين القضيتين، بل تجاوزته إلى قضايا أخرى، كأفغانستان التي عانت من العدوان السوفييتي في حينه. فقد عبر الرئيس عن رفض التدخل الأجنبي في أفغانستان، وعن طبيعة العلاقة التي تربط اليمنيين بهذا الشعب، بقوله: "الشعب الأفغاني شعب مسلم عريق كسائر الشعوب الإسلامية، فأواصر الأخوة الإسلامية هي التي تربط شعبنا بالشعب الأفغاني، ونحن نرفض التدخل في الشئون الداخلية للشعوب الإسلامية ودولها بشكل مباشر وغير مباشر، وهو ما تؤكده مؤتمرات القمة الإسلامية".[19]

وهذا الرفض الذي عبر عنه الرئيس ينطلق من "أن القضية الأفغانية هي قضية وطنية، ترتبط بمبدأ حق الشعوب في اختيار الأنظمة لنفسها انسجامًا مع معتقداتها وتطلعاتها، ونحن هنا كتجمع إسلامي تلح علينا رابطة الأخوة أن نعمل على مساعدة الشعب الأفغاني الشقيق وقواه الوطنية في معالجة قضيته الحية ووضع حد للمأساة التي استمرت منذ أكثر من سبع سنوات بما يكفل تأمين عودة المشردين إلى ديارهم في أقرب وقت وعدم التدخل في شؤون الشعب الأفغاني بشكل مباشر أو غير مباشر. وتلوح في الأفق بادرة لحل هذه القضية مما يوجب على منظمتنا دعم الشعب الأفغاني والتعاون معه للوصول إلى حل قضيته وفقًا للأسس التي أشرنا إليها، إضافة إلى الاهتمام بمعالجة أوضاع المسلمين أينما كانوا والإسهام في نصرة قضاياهم الإنسانية المشروعة في المساواة والحقوق المدنية والسياسية كجزء لا يتجزأ من نشاط منظمتنا ودورها الإسلامي والإنساني".[20]

لقد كان هذا الوعي هو المحرك الذي دفع معظم الدول العربية والإسلامية للوقوف إلى جانب الشعب الأفغاني إزاء التدخل السوفييـتي في حقبة الحرب الباردة. وجعل هذه الدول تقدم الدعم المالي والمادي واللوجستي والسند السياسي والإعلامي للأفغان. بل سمحت كثير من هذه الدول لأبنائها بالمشاركة والمساهمة في قتال الشعب الأفغاني وجهاده خلال تلك الفترة. ولم يكن ذلك يمثل تورطًا في الإرهاب أو انجرارًا في شئون لا علاقة للحكومات والشعوب بها!

وفي مطلع التسعينيات من القرن المنصرم، اجتاحت المنطقة أزمة جديدة تمثلت في غزو العراق للكويت، وما تبع ذلك من انشقاق في الصف العربي والإسلامي على إثر هذه الأزمة، أدى بدور لفسح المجال للتدخل الأجنبي وبصورة عسكرية لم يسبق لها مثيل في العالم عقب الحرب العالمية الثانية. وقد مثلت هذه الأزمة محك اختبار للسياسة اليمنية التي تلتزم بمبدأ عدم التدخل في شئون الدول الأخرى، فضلًا عن الإقرار بشرعية التدخل الأجنبي فيها.

وقد جاء الموقف السياسي متوافقًا مع الموقف الشعبي، وهو ما أثار حفيظة الدول التي ساندت التدخل الأجنبي، يقول الرئيس صالح: "المظاهرات التي تقام في اليمن هي تعبير عن مشاعر كل اليمنيين ضد الوجود الأجنبي في منطقة الخليج والجزيرة والخليج العربي والبحر الأحمر، نحن أيضًا نشارك جماهير شعبنا هذا الألم ضد الوجود الأجنبي في المنطقة"، لقد مثل الوجود الأجنبي في الأراضي العربية مصدر: "قلق للأمن والسلام في العالم وفي منطقة الخليج وفي منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص"، في حين أن ظلت نظرة اليمن لعلاقاتها بالولايات المتحدة.. تقوم على "الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشئون الداخلية".[21]

هذا الموقف أكده الرئيس في حديث له للصحافة البريطانية، في 3/9/1990م، في ثنايا تعليقه على موقف اليمن من قرار الأمم المتحدة بشأن انسحاب العراق بدون شروط من الكويت، حيث أكد أن "بلادنا لا تقر احتلال أراضي الغير بالقوة، ولا تقر الوجود العسكري الأجنبي في الأراضي العربية، كما أنها لم تقر غزو بنما ولا أفغانستان أو الاحتلال الصهيوني للأراضي العربية المحتلة.. وهذه هي السياسة اليمنية".

وذهب الرئيس إلى أن "هذا الوجود الأمريكي والأجنبي بصفة عامة ينذر بخطر على أمن وسلامة المنطقة. ولا سمح الله.. لو اندلعت حرب سيكون التأثير سلبيًا على المصالح العربية"، معبرًا عن القناعة التي كانت تتوفر بالنوايا المسبقة لتدخل القوات الأمريكية بالمنطقة: "سواء كانت قد دعيت أم لم تدع، وذلك حرصًا على مصالحها في المنطقة، فهي كانت آتية بشكل أو بآخر".. مشيرًا في هذا الصدد إلى كتاب نشرته جهات أمريكية حول نشر قوات التدخل السريع في منطقة الجزيرة والخليج العربي، والذي طبع في عام 1982م، وأن الحاصل في المنطقة هو نتيجة لتلك الخطة التي رسمت. مؤكدًا أن الولايات المتحدة والغرب في حال شنوا حربًا ضد العراق سيفقدون مصداقيتهم وتعاملهم مع العالم العربي الإسلامي.. "لأن تأييدها هو تأييد أشخاص وليس تأييد جماهير، لكن الشارع العربي والإسلامي وكل الدول المحبة للسلام ضد الحرب" متسائلًا: "أنتم أمام خيارين: هل تخسرون الشارع الإسلامي وتؤيدون أفرادًا؟! أم أنتم علاقاتكم مع تلك الشعوب؟!".[22]

إن هذا الموقف من التدخل الأجنبي في أزمة الخليج الثانية يرتبط في وعي الرئيس بذكريات حقبة الاستعمار، فهو يقول: "عندما تسارعت خطى التدخل العسكري الأمريكي والأوروبي في الأزمة وعلى هذا النحو الكثيف خرجت المظاهرات الشعبية تندد بهذا التدخل الخطير الذي أعاد إلى الأذهان ذكريات النضال المرير ضد الاستعمار القديم"، مؤكدًا عزم القوات الأجنبية مسبقًا على التدخل العسكري في المنطقة.

وفي ثنايا حديثه عن مؤتمر القمة العربي -الذي عُقِدَ بالقاهرة لمعالجة أزمة الخليج- وضح الرئيس أن "البعض كان يبحث عن إدانة العراق، وتوفير الغطاء والشرعية العربية للوجود الأجنبي على الأراضي والمياه العربية، ولم يكن مستعدًا للبحث عن أي شيء آخر من شأنه معالجة الأزمة وتوفير الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة"، وهو الاتجاه الذي ساندته اليمن.. "لأننا حريصون قبل أي شيء آخر على حل هذه الأزمة سلميًا، وفي إطار الأسرة العربية، بما يجنب المنطقة العربية مخاطر التدخل الأجنبي في شئونها ويكفل تعزيز التضامن العربي". وبحسب الرئيس فإن ما حدث "ألحق بالنظام العربي خسائر فادحة"، وأن "من الصعب التكهن بالمصير الذي سيؤول إليه النظام العربي، والمصير الذي سيواجه الأمة العربية ككل، سواء على مستوى أمنها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، أو على مستوى وجودها الحضاري كأمة تحدق بها الأخطار من كل جانب"، والدافع في رأي الرئيس وراء اختلاق المشاكل والأزمات في المنطقة هو "ما تملكه من ثروات واحتياطي بترولي كبير"، والتي شجعت الغرب بدورها "لتحقيق أحلامه وطموحاته المشبوهة، ومن هنا فالمخططات الأجنبية تنفذ وفق سيناريو معد سلفًا خارج المنطقة".

لقد أكد الرئيس أن "الشعوب العربية تدرك مخاطر هذا الحشد العسكري الأجنبي الهائل فوق الأراضي والمياه العربية، وتدرك أهدافه ومراميه. إنه تدخل سافر في شؤون المنطقة وتهديد خطير لأمن وسيادة واستقلال وكرامة الأمة العربية، ولا يمكن بأي حال أن نصدق أن هذا الهدف من هذا الوجود الأجنبي المحافظة على الشرعية الدولية أو تطبيق قرارات مجلس الأمن.. إن الهدف هو حماية المصالح الأجنبية في المنطقة، وضمان بقائها في المنطقة، ضمان لتدفق النفط العربي بأسعار رخيصة من أجل أن يضمن الغرب والولايات المتحدة الحفاظ على نمط حياتهم المتقدم، وللشعوب العربية الحق عندما تعبر عن رفضها ومخاوفها من هذا الوجود لأنها تخشى منه أن يصبح مشروعًا استعماريًا جديدًا في المنطقة وهيمنة أجنبية على مقدراتها ومصالحها"، مضيفًا: إن على "أمتنا العربية أن تعي مثل هذه المؤامرات وتدرك أبعادها، فلم تكن هي الأولى من نوعها التي تتعرض لها أمتنا العربية.. مع فارق في أسلوب التصدي لها وفضحها".[23]

إن رفض القيادة السياسية  للوجود الأجنبي لا يتعلق بالخليج فحسب بل هو موقف محدد وواضح، فهو "ليس مع الوجود الأجنبي في الأراضي العربية"، و"في الجزيرة بشكل خاص"[24]. وقد انعكس هذا الموقف على خطاب القيادة السياسي الداخلي في المناسبات الوطنية، جاء في خطاب الرئيس بمناسبة ثورة 14 أكتوبر للشعب اليمني: "إننا ونحن نحتفل بعيد من أعياد شعبنا الوطنية لابد أن نتذكر الأوضاع الخطيرة التي تمر بها أمتنا العربية، والتي أصبحت تشكل تهديدًا صارخًا لأمنها وسلامتها نتيجة للوجود العسكري الأجنبي في الخليج والجزيرة العربية، والذي لم يحدث له مثيل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والتعقيدات التي تواجه الأزمة القائمة في الخليج، بوضع العراقيل أمام إمكانية الحل العربي".[25]

وقد تكرر هذا الموقف في جميع حوارات الرئيس، مع وسائل الإعلام المحلية أو العربية والإسلامية أو الأجنبية، فقد أكد الرئيس –في مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز"- أن اليمن "لا تؤيد.. الوجود الأجنبي في المنطقة، ومن هنا حصل الخلط من بعض الدول العربية والدول الأجنبية، فاعتبروا عدم تأييد اليمن للوجود الأجنبي انحيازًا في اتجاه العراق، وهذا غير صحيح".[26]

ويصرح الرئيس لصحيفة (المجاهد) الجزائرية بأن لأزمة الخليج انعكاسات سلبية خطيرة على الوضع العربي العام خاصة في ظل الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة العربية، الذي يمثل "تهديدًا خطيرًا للسيادة والاستقلال والأمن القومي العربي"، لذا فقد سعت اليمن وبذلت كل الجهود الممكنة "من أجل حل هذه الأزمة سلميًا، وفي الإطار العربي والاحتكام إلى منطق العقل، وألا تترك الفرصة للقوى الأجنبية لتجذير وجودها في المنطقة وتهديد الأمن والاستقرار والسلام فيها".[27]

"لقد كشفت أزمة الخليج –كما يقول الرئيس صالح- حقيقة العداء الذي تواجهه أمتنا العربية، والتآمر المستمر لتركيع الثورة اليمنية ومحاولة التدخل في سياساتها الوطنية المتوجهة داخلياً نحو ترسيخ الديمقراطية وتعزيز قوة الوحدة الوطنية ومواصلة التنمية الحقيقية والالتزام بواجبات الانتماء القومي تجاه كافة القضايا العربية، وقد تأكد ذلك العداء لليمن من خلال الحملات الإعلامية المعادية التي عملت على تشويه مواقفها الثابتة عن عمد وإلصاق المساوئ لهذا البلد الذي لا هم له إلا وحدة الصف العربي وحل أي خلافات بين الأشقاء بالطرق السلمية".. "وفي الوقت الذي يرفض فيه الوجود الأجنبي في الجزيرة والخليج العربي ودعوته المستمرة لاستبدال قوات عربية وإسلامية بهذه القوات لمواجهة كافة المخاطر لأن استدعاء القوات الأجنبية يجعلها طرفًا بكل ما تمثله من مخاطر وأطماع ضد الأمة العربية"، ويضيف: "إننا هنا نؤكد أن اليمن قيادة وشعبًا وحكومة وكل القوى السياسية يقف إلى جانب الشعب الكويتي الشقيق ويطالب بانسحاب القوات العراقية وحل الخلافات في النطاق العربي وإنهاء الوجود الأجنبي في المنطقة في نفس الوقت حتى تتمكن أمتنا العربية من احتواء هذه الأزمة ومعالجة كل قضايا الأمن والاستقرار التي هي أهم متطلبات الأمة العربية وإنهاء هيمنة القوى الأجنبية وفرض وصايتها على الأمة العربية فقد انتهى عهد الوصايات".[28]

لقد كان موقف اليمن فيما يخص التصويت ضد قرار مجلس الأمن الدولي رقم (678)، الذي أجاز استخدام القوة ضد العراق، نابعًا من "التزامنا القومي المبدئي، وإدراكنا لمخاطر هذا القرار الذي لا يخدم السلام بل يزيد الوضع تعقيدًا ويهيئ للقوات الأجنبية في المنطقة التصرف كيفما تريد لتدمير قوة عربية هي مبعث اعتزاز وفخر وقوة لكل العرب، وهذا ما لا يمكن لليمن أن تقبل به أو تصوت معه".[29]

إن الغرب –ممثلًا في الولايات المتحدة والدول الأوروبية- كان يبحث عن غطاء لإيجاد شرعية لوجوده في المنطقة، وهذا "السيناريو الذي يطرحه بين الحين والآخر بعض المسئولين في الولايات المتحدة والدول الأوروبية يكشف عن مخططات لهذه المنطقة وضد مستقبلها" –وفقًا لأقوال الرئيس، حيث اعتبر قضية الأمن والسلام في المنطقة "شأنًا داخليًا من اختصاص دول المنطقة نفسها"، واصفًا مواجهة هذا التحدي السياسي بالنضال: "سوف نناضل من أجل استقلالية القرار العربي، لن ننهزم من جراء هذه الهجمة الإمبريالية والصهيونية، هذا مجرد إرهاب".. "إنهم يريدون أن يخضعوا الوطن لوصايتهم وقراراتهم، نحن والشعوب العربية معًا سنناضل من أجل استقلالية الوطن العربي والقرارات العربية، وإذا ما اضطررنا سنبقى نناضل سنين وسنين من أجل استقلالية القرار العربي وعدم الوصاية عليه من القوى الأجنبية، لأننا نرفض الوصاية، وهذه الغطرسة الصهيونية الإمبريالية لن تدوم طويلًا لأننا لو قرأنا التاريخ جيدًا سنجد أن الإمبراطوريات والاستعمار سواء في العصور القديمة أو الحديثة لم يدم طويلًا، وبالنسبة للأمريكان فإنهم لم يقرأوا التاريخ جيدًا، وهم يعتقدون أنهم بهذا التطور التكنولوجي والتطور الاقتصادي والتطور العسكري قادرون على تركيع العالم، هذا ليس صحيحًا، وستكون الحسابات خاطئة".[30]

لم يتغير موقف القيادة السياسية التي عانت من الحصار وافتعال الأزمات والتهميش حتى بعد سنوات من الأزمة، فقد أكد الرئيس -في مقابلة مع مجلة (الحوادث) اللبنانية في 5/6/1997م، ومع صحفية (النهار) اللبنانية في 9/5/1998م- عن ذات المواقف السابقة الرافضة للتدخل الأجنبي في المنطقة، والمستشعرة لمخاطره وانعكاساته السلبية في المنطقة، بل لم يغب هذا الشعور عن الرئيس صالح عقب تسع سنوات من مضي الأزمة، فهو يرى أنه "شكل وما يزال عبئًا على دول المنطقة".[31]

لقد كان الرئيس صالح يتفهم التعنت الأمريكي تجاه العراق "لإيجاد مبررات لاستمرار الوجود الأمريكي المكثف في المنطقة"، وكان يدرك رغبة الولايات المتحدة في "توجيه ضربة ثانية للعراق"، وقد صرح بذلك في مقابلة مع صحيفة (الحياة) اللندنية، في 15/11/1997م.

ولم يتخل عن موقفه مُجَدِدًا -وفي فترة لاحقة- رفضه لضرب العراق أو التدخل في شؤونه الداخلية، لأن من شأن السماح بالتدخل في شؤون العراق أو الخليج فتح الباب لاحقًا أمام التدخل في أي قطر عربي آخر[32]، كما جاء في لقاء جمعه برؤساء تحرير الصحف اللبنانية في بيروت، في 20/12/2002م. وأعاد تأكيده لهذا الموقف في خطابه بمناسبة عيد الأضحى، في 10/2/2003م، "أكدنا ونؤكد مجددًا رفضنا القيام بأي عمل عسكري ضد العراق أو أي قطر شقيق آخر، أو التدخل في الشؤون الداخلية للعراق من قبل أي طرف كان، إقليميًا أو دوليًا، والحديث عن تغيير النظام في العراق أو فرض قيادة على الشعب العراقي من قبل أي جهة يمثل خطوة غير مسئولة وسابقة خطيرة تخالف الأعراف والقوانين الدولية والمبادئ والقيم الأخلاقية، ولن تؤدي سوى إلى إثارة الفوضى وزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم".

وأشار الرئيس -في مقابلة مع صحيفة (الوطن) السعودية، بتاريخ 12/4/2004م- إلى أن الاحتلال الأجنبي للعراق يعمق الكراهية للولايات المتحدة والغرب عمومًا، وأن "الاستعمار في عصر العولمة أمر غير مقبول"، وأنه "يعمق الكراهية بين العرب والدول الغربية المنخرطة في الحرب ضد العراق، ويغذي التيارات الإرهابية والمتطرفة"، مستنكرًا الربط "بين الإرهاب والمقاومة في العراق"، ومشيرًا إلى أن المسألة مسألة مقاومة للاحتلال الأجنبي، وأن "الإرهاب لا يكافح بالقصف والطائرات والضرب العسكري بل بالعمل الاستخباراتي والإقناع".

لقد أعلنت القيادة السياسية مواقف مبدئية من قضايا عربية مختلفة، ففي الشأن السوداني أعلنت عن اعتقادها بأن "أمن السودان يهم كل الأمة العربية، وجزء لا يتجزأ من أمن الأمة العربية"، وأن "أي تدخل في شؤون السودان هو تدخل في شؤون الأمة العربية"، ومن ثم فهو مدان[33]. كما أعلنت عن موقفها الحيادي من النزاع بين الحكومة السودانية ومعارضيها، لأن "من سياسة اليمن الثابتة عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة شقيقة أو صديقة، والعلاقة بين الحكومة السودانية ومعارضيها أمر يخص الشعب السوداني الشقيق"[34]؛ هذا مع إبداء التضامن والدعم المبدئي للسودان "في كل ما يصون وحدة السودان وأمنه واستقراره وسلامة أراضيه"، ورفض "التدخل في شؤونه الداخلية" من قبل القوى الأجنبية[35]. وقد حث الرئيس صالح الأطراف السودانية بعدم المراهنة على الخارج: "في اعتقادي أن المراهنة على دولة كبرى أو صغرى لن يفيد، فوحدة السودان في أيدي السودانيين، وعلى الدول الأخرى أن تكف يدها عن التدخل في شؤون أي بلد آخر".[36]

وفي الشأن الصومالي وحول التوتر في منطقة القرن الأفريقي بعد الصدام الصومالي الأثيوبي، أكد الرئيس صالح موقف اليمن الملتزم بالإجماع الذي حققته نتائج قمة فاس: "شأننا شأن أيه دولة لا تقر مبدأ التدخل في شؤون الغير من قبل دولة أخرى"[37].

وعقب قيام المحاكم الإسلامية وسعي القوى الغربية في إسقاطها، تحت ذرائع مختلفة، أكد الرئيس رفضه لمبدأ التدخل "في الشأن الصومالي"، في مقابلة له مع قناة (الجزيرة)، في 7/10/2007م. ونفى الرئيس أن يحقق الوجود الأجنبي في الصومال شيئًا، "فهو موجود منذ البداية، ومع ذلك لم يمنع القرصنة؛ هناك السفن الألمانية، والسفن الأمريكية، والسفن الهولندية والفرنسية، ومع ذلك لم تستطع أن تمنع القرصنة، ما لم تعمل هذه الدول كاملة ومع الأسرة الدولية على إعادة بناء الصومال والإسهام بإعادة الأعمار هناك لكي ينتهي الإرهاب، وإلا فإن الصومال سيظل بؤرة من أسوأ البؤر في منطقة القرن الأفريقي".[38]

إن علاقة اليمن بدول الجوار وبقية الدول العربية والإسلامية قامت على أسس ثابتة، فعلاقة اليمن بالمملكة العربية السعودية "تقوم على أسس مبدئية واضحة، وهي الأخوة الصادقة والجوار الحميم والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشئون الداخلية"[39]؛ ولا يوجد تمييز في سياسة اليمن في علاقاتها "بين قطر وآخر"، فهي تنتهج "في علاقاتها مع الأشقاء والأصدقاء سياسة عقلانية، وتقيم علاقات متميزة مع كل جيرانها، ومع كل الأقطار العربية، ومع كل الدول الصديقة، التي تتعامل معنا في حدود المصالح العليا للوطن والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشئون الداخلية"[40]، وهذا الحديث جاء في معرض السؤال حول علاقة اليمن بليبيا التي عملت على دعم الميليشيات المسلحة في المناطق الوسطى –والتي كانت تعمل من أجل إسقاط النظام بصنعاء حينها. حتى علاقة اليمن بإيران، وعلى رغم تأييدها لموقف العراق خلال حرب الخليج الأولى، حكمتها "اعتبارات العقيدة الإسلامية الواحدة، ومبادئ الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشئون الداخلية، واحترام الجوار وحسن التعايش"[41]. وظلت هذه الأسس الثابتة والمبدئية تحكم علاقة اليمن بدول الخليج، حتى عقب ما لحق اليمن من قطيعة نتيجة موقفها من حرب الخليج الثانية: "علاقاتنا بالآخرين تحكمها أسس ثابتة ومبدئية، تقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد، والحرص على التعاون الإيجابي الذي يحقق المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة"[42]؛ ومع ذلك فلم تقابل دول الخليج هذه السياسة بالمثل، فقد سعت للتأثير على سير الأزمة التي نشبت بين طرفي الحكم عام 1993م، والتي أدت إلى مسعى للانفصال بقوة السلاح حينها، لذا استنكر الرئيس –في معرض إجابته على سؤال تلفزيون (W.T.N.)- جهود بعض دول الجوار من أجل تبني قرار في مجلس الأمن "لتصبح القضية اليمنية في إطار دولي"، معتبرًا أن مثل هذه القرارات تدخلًا في الشأن الداخلي لليمن.[43]

كما التزمت القيادة السياسية الموقف ذاته من أزمة الجزائر، التي شهدتها فترة التسعينيات، حيث أدانت الإرهاب بكل أشكاله وصوره، وأعلنت تضامنها مع الأشقاء في الجزائر، ورفضت التدخل في الشؤون الجزائرية أو المس بسيادة الجزائر واستقلالها.[44]

لقد أخذت القيادة السياسية في اليمن على نفسها التزامًا بأن "لا تقيم علاقة مع أي دولة شقيقة أو صديقة على حساب علاقاتها مع دول أخرى"، لذا جاءت علاقات اليمن بالسودان وأثيوبيا وأرتيريا.. "قائمة على الاحترام المتبادل، والتعاون، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية"، سعيًا لخدمة "الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة".[45]

وفي المقابل هناك رفض يمني لأي تدخل لأي دولة عربية أو إسلامية في شئونها الداخلية، فقد أكد الرئيس صالح -في مقابلة مع قناة (روسيا اليوم)، في 1/7/2010م- رفض اليمن للتدخل الإيراني في شؤونه الداخلية.

ثالثا: السياسة اليمنية:

لقد كان موقف القيادة السياسية الرافض للوجود الأجنبي يعي مخاطر هذا الوجود على اليمن –كما على المنطقة العربية والإسلامية، حتى على مستوى مياهه الإقليمية، لذا فقد حرص الرئيس صالح "أشد الحرص على أن يظل البحر الأحمر، وبحر العرب بعيدين عن تأثيرات القوى الكبرى والصراعات الدولية"، ولذلك عملت اليمن على "التصدي والوقوف ضد أي وجود عسكري للقوى العظمى فيهما، باعتبار ذلك الوجود يمثل تهديدًا مباشرًا لأمتنا وأمن المنطقة"[46]، لأن أمن البحر الأحمر "جزء من أمن المنطقة ومقدمة لهذا الأمن"، وقد أكد الرئيس على أن اليمن "مع كل الجهود المؤدية إلى إبقاء البحر الأحمر والمحيط الهندي والخليج مناطق خالية من أي شكل من أشكال الوجود الأجنبي وبعيدة عن الصراعات الدولية".[47]

لذا أعلنت صنعاء منذ وقت مبكر رفضها استقبال أي قطع بحرية عسكرية في موانئها، حرصًا من القيادة السياسية: على "سيادتنا واستقلالنا وتفرغنا لمعركتنا الداخلية ضد التخلف، كما ينسجم مع أهداف ثورتنا وتأكيدنا المستمر على أننا لسنا طرفًا في معاداة أحد، ونرفض -كما سبق التأكيد في أكثر من موقف- أي شكل من أشكال الوجود العسكري الأجنبي في البحر الأحمر أو الخليج أو المحيط"، وهذه سياسة تلائم طبيعة تلك المرحلة: لأن مثل هذا الوجود في ظل الخلافات "يدفع بأطراف الخلافات إلى الاعتقاد بأن الاستعانة بوجود مضاد يخدم المنطقة، في حين أن مثل هذا الوجود ككل يضعف دول المنطقة، ويعمق خلافاتها، ويشل فعاليتها، ويسلبها إرادتها، الأمر الذي تترتب عليه الكثير من المشاكل التي تجعل شعوب هذه المناطق تعيش في أجواء التوتر والاضطرابات الناشئين عن أشكال الوجود الأجنبي، الذي سيصبح طرفًا في أية خلافات بين بلدين من دول المنطقة مهما كان حجم الخلافات، ومعناه أن مصلحة الدول الكبرى في مثل هذا الوجود ترتبط بتعميق الخلافات لا بحلها".[48]

من هنا انطلقت اليمن في علاقتها بدول حوض البحر الأحمر وبحر العرب، ففي ظل التفاهم والتعاون بين الدول المطلة على البحر الأحمر و"إدراكها لطبيعة المخاطر التي تهدد أمنها وسلامتها تتضاءل مثل تلك المخاطر"، مؤكدة على "ضرورة أن تبقى منطقة البحر الأحمر بعيدة عن كل أنواع الصراعات الدولية وكل أنواع الوجود العسكري الأجنبي، كضمانة رئيسية لبقائها آمنة مستقرة".[49]

وقد جاء نتيجة هذا التفاهم اتخاذ الدول المطلة على البحر الأحمر، عبر أجهزتها المختصة، الإجراءات المطلوبة منها من أجل ضمانه السلامة والأمن للملاحة البحرية. كما عملت اليمن على "إجراء تشاور" مع الدول المطلة على البحر الأحمر "للبحث والاتفاق على خطة مشتركة، تكفل حماية أمن وسلامة البحر الأحمر، بعيدًا عن كل أنواع الوجود العسكري الأجنبي والصراعات الدولية"، تأكيدًا على أن حماية وصيانة أمن المنطقة -بما فيها أمن البحر الأحمر- "مسئولية دول وشعوب المنطقة أولًا وأخيرًا".[50]

لقد أعلن الرئيس صالح رفضه "رفضًا قاطعًا أي نوع من الوجود العسكري الأجنبي في منطقة البحر الأحمر والبحر العربي والمحيط الهندي"، ونادى باستمرار "للعمل من أجل أن تظل هذه المناطق بعيدة عن الصراعات الدولية وعن أي احتكاك أو مواجهة لأي من القوى والأساطيل العسكرية أيًا كان نوعها". و"هو في اقتناعنا ويقيننا الموقف الذي سيظل يجنب المنطقة من مغبة الوقوع فيما يخطط لها من أنواع التآمرات الخارجية أيًا كانت"[51]؛ وحول الوسائل الواجب اتخاذها لإبعاد أطماع الدول الكبرى عن المحيط الهندي، كان من "أنصار التعاون بين مجموع الدول المعنية، سواء تلك المطلة على المحيط الهندي، أو البحر الأحمر، للحيلولة دون تمكين الدول الكبرى من أن يكون غياب التعاون سببًا وذريعة لأشكال الوجود العسكري الأجنبي في هذه المناطق"، و"الالتقاء وتبادل الرأي والمشورة حول معرفة أسباب ودوافع وجود الأساطيل الكبرى في هذه المياه، بحيث تتمكن البلدان الأعضاء في حركة عدم الانحياز من إيجاد الحلول التي تحول دون أن تبقى منطقتا المحيط الهندي والبحر الأحمر محل منازعة الأطماع الدولية"[52]؛ ويستثني الرئيس من بين الدول المطلة على البحر الأحمر إسرائيل: "الدخيلة على الوطن العربي".[53]

وإذا كان هذا الرفض للوجود الأجنبي على المياه الإقليمية يمثل موقفًا مبدئيًا للقيادة السياسية اليمنية خلال تاريخها، فإن الوجود الأجنبي على أراضيها يمثل المحظور الذي لا يقبل به مطلقًا، وحتى لو اقتضى الأمر لمواجهته الاستعانة بالأشقاء العرب..

فقد وصف الرئيس علي عبدالله صالح اشتعال الصراع مع الجنوب –عام 1979م- بأنه يأتي "لصالح قوى أجنبية"، متهمًا "نظام الحكم القائم في عدن" بتفجيره، "لصالح إستراتيجية دولية مشبوهة، تهدف إلى تحويل كل قطرنا اليمني مسرحًا لصراع دولي خطير يستهدف أبناء شعبنا وطاقات وثروات أمتنا"؛ مبينًا أن حكومته في حال تدخلت قوى خارجية أو استعان الجنوب بقوات أجنبية أو استمر التدخل الأجنبي في العدوان ستضع "الأشقاء العرب أمام مسئولياتهم القومية، لأننا نثق في أن قضية عروبة اليمن تهمهم جميعًا، ومن ثم فإننا قد نطلب منهم الاشتراك معنا في الدفاع عن عروبة اليمن واستقلالها ضد كل تدخل أجنبي، غير أننا نرجو أن لا نصل إلى ذلك وأن لا نضطر إليه"؛ وأضاف: "إذا تضاعف حجم التدخل الأجنبي ضدنا فلن يكون أمامنا من طريق إلا طلب دعم وتدخل كل الأشقاء العرب إلى جانبنا في مواجهة التدخل الأجنبي حتى لا تنتهي عروبة اليمن، لأن انتهاءها يعني انتهاء عروبة كل منطقة شبه الجزيرة العربية بما في ذلك الخليج"، نافيًا في الوقت ذاته أن تعمل حكومته للسماح بأي تدخل أجنبي في صراعها مع حكومة الجنوب: "كما أننا لم ولن نسمح بتدخل أية قوة أجنبية من خلالنا".[54]

إن هذا الرفض للتدخل الأجنبي، ظل مبدأ طاغيًا للقيادة السياسية حتى عقب قيام الوحدة اليمنية، شاملًا جميع الصور والطرق: "اليمن ليس من سماتها.. التدخل في الشؤون الداخلية لأي قطر.. في الوقت الذي نرفض فيه التدخل في شؤوننا سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة أو على أي مستوى"، وقد حددت مهمة الجهاز المركزي للأمن السياسي في دولة الوحدة بحماية: "الأمن القومي للوطن ومكافحة التجسس والولاء الخارجي وكافة أشكال التدخل في الشؤون الداخلية لليمن وحماية الاقتصاد الوطني والسيادة الوطنية وكل أشكال التخريب ضد اليمن".[55]

ورغم جميع الإغراءات والضغوط التي مورست على القيادة السياسية للسماح بوجود أجنبي على أراضيها، لم ترضخ لهذه المطالب رغم ما نالها من تآمر في حرب 1994م، يقول الرئيس صالح: "القواعد الموجودة في الدول العربية تكفينا، وأعتقد أن هذه سببت لنا مشاكل، والوجود الأجنبي في المنطقة سبب لنا عشرين مشكلة ومشكلة، فاليمن ليس في سياستها أن تقدم أي قواعد لأمريكا أو غير أمريكا في سقطرى".[56]

وجاء في الخطاب السياسي بمناسبة العيد الوطني الثامن للجمهورية اليمنية، في 21/5/1998م رفض الرئيس للتدخل في شؤون اليمن الداخلية، وأن القوات المسلحة "ستواجه بكل حزم وقوة كل من يحاول النيل من سيادتها وإنجازاتها"، في إشارة ورد على المطامع الأجنبية في البلاد.

لقد ظل الحديث عن تقديم اليمن تسهيلات للولايات المتحدة الأمريكية في سقطرى يتردد في وسائل الإعلام، في محاولة لنبض القرار السياسي ورأي الشارع العام اليمني، فكان أن صرح الرئيس صالح: "لقد ناضلنا من أجل خروج الاستعمار من بلادنا وقدمنا تضحيات، فكيف نقبل بتقديم تسهيلات أو نقيم قواعد عسكرية أجنبية في بلادنا؟! لكن بيننا وبين الأمريكان تعاون اقتصادي وفني وتبادل زيارات وخبرات عسكرية، وهذا موجود أيضًا بيننا وبين فرنسا وبريطانيا والعديد من الدول"[57]؛ وفي مقام آخر أوضح الرئيس: "فيما يخص الحديث عن السعي الأمريكي للحصول على قاعدة عسكرية في جزيرة سقطرى أو غيرها من الأراضي اليمنية.. سبق أن أكدنا مرارًا بأن هذه المزاعم لا أساس لها من الصحة، ونحن في الجمهورية اليمنية لا ولن نقبل بوجود أي قواعد أو منح أي تسهيلات عسكرية أجنبية على الأراضي اليمنية لأن شعبنا اليمني ناضل كثيرًا وقدم تضحيات غالية في سبيل الحرية والتخلص من الاستعمار ونيل الاستقلال.. فكيف يمكن أن يقبل بوجود قواعد عسكرية على أراضيه؟!"[58]؛ وأضاف في حوار آخر: "هذا غير مقبول، فالأمريكيون لم يطلبوا منا، ولديهم من التسهيلات في المنطقة ما لا يجعلهم يطلبون من اليمن شيئًا".[59]

هذا الموقف شهد تحولًا نتيجة أمرين: الأول هو استهداف المدمرة الأمريكية (يو. إس. إس. كول) قبالة السواحل اليمنية في عدن، والثاني أحداث الحادي عشر من سبتمبر، في عامين متتاليين. فقد حمل الحدثان آثارًا وانعكاسات شديدة على اليمن والمنطقة عمومًا. هذا مع هشاشة واقع النظام العربي الذي وصل إلى مدى من الهوان والذلة، بحيث فقد قدرته على الممانعة والتصدي.

من هنا –وفي ظل تلك الظروف والأحداث- جاء اعتراف الرئيس لاحقًا بوجود قوة أجنبية في اليمن: "عندنا من ثلاثين إلى أربعين أمريكيًا لمدة ثلاثة أسابيع وأقصى مدة أربعة أسابيع، وبعضهم قد انتهت مدتهم"، بصيغة من التعليل والتبرير لم تكن مألوفة على القيادة السياسية: "لماذا هذا الاهتمام الممتاز باليمن؟ وهؤلاء الأمريكان موجودون في مصر، في الأردن، في دول الخليج كلها، لماذا المشكلة أثارت غيرة البعض؟ هل جائز لهم أن يتعاملوا مع الأمريكان ويجعلونا هدفًا للأمريكان، نحن تحركنا نحو الأمريكان لنمنع عنا الشر، نمنع عنا البلاء، نمنع عن وطننا المصائب، أمريكا رافعة عصا فوق الوطن العربي والإسلامي والعالم الثالث، من لم يكن معنا فهو ضدنا، لهذا استقبلنا ثلاثين إلى أربعين خبيرًا لمدة ثلاثة أربعة شهور". وهؤلاء المستقبلون هم: "خبراء عسكريون، خبراء أمنيون، خبراء في مكافحة الإرهاب".[60]

لقد أصبح مقبولًا أن توجد قوى أجنبية وأن يظل القرار مستقلًا والسيادة مصونة: "إن كثيرًا من أقطار الوطن العربي دول مستقلة، والقرار حتى في الدول التي فيها الوجود الأمريكي مستقل، ولا أعتقد أن التسهيلات التي تقدمها تلك الدول للولايات المتحدة الأمريكية لها تأثير على قرارها المستقل، وبالنسبة لنا في اليمن نحن أكدنا مرارًا ونؤكد مجددًا أنه لا توجد أية تسهيلات عسكرية للولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها وقرارنا مستقل ولا تفريط فيه أبدًا. ونحن في اليمن لسنا بحاجة إلى تقديم مثل تلك التسهيلات لأية دولة"..![61]

وأصبح هناك نوع من الخطاب المزدوج الذي يكرر: "ليس هناك أي مجال لقبول أي تدخل في شؤوننا الداخلية، سواء من قبل الأمريكان أو غيرهم، ولا قبول لأي وجود عسكري على أراضينا من قبل أي جهة أجنبية"، والذي يعترف بأنه جرى الاتفاق مع الأمريكان على تتبع من تصفهم الولايات المتحدة بالإرهابيين، رغم مطالبة القيادة السياسية في اليمن أكثر من مرة من تحديد تعريف واضح للإرهاب، ورفضها لتعويم المصطلح، ومع ذلك تصور القيادة السياسية ما جرى على أنه طلب يمني وموافقة أمريكية: "من جانبهم أبدوا استعدادهم لتقديم بعض خبراتهم الأمنية وخبراتهم الاستخبارية في مجال مكافحة الإرهاب، وأبدوا استعدادهم لإرسال بعض الخبراء المدربين في مجال مكافحة الإرهاب، ولعدد لا يتجاوز من 30 إلى 40 شخصًا كأقصى حد، وعلى أساس أنهم سيقومون بتدريب بعض الوحدات الأمنية الخاصة بمكافحة الإرهاب، ولمدة تصل من أسبوعين إلى أربعة أسابيع، وتنتهي مدتهم ويأتي بدلهم آخرون وبنفس العدد والمدة"..[62]

لقد كشفت الأيام أن القيادة السياسية استجابت للضغوط الخارجية في فترة مبكرة، عندما سمحت للقوات الأمريكية الغازية بالتزود من ميناء عدن: "كان لدينا مع الأمريكان اتفاقية سابقة قبل حادث المدمرة (كول) في 12 أكتوبر بتزويدهم بالوقود والمياه في ميناء عدن، لكنهم بعد حادثة كول انسحبوا ولم يعودوا للتموين"!

هذا بالرغم من التأكيدات التي أعلنت في هذا الشأن: "اليمن لو كانت تقدم تسهيلات عسكرية أو أمنية للآخرين لما ترددت أن أقول ذلك للرأي العام العربي والعالمي، فليس هناك شيء نخفيه.. لا توجد أية تسهيلات أو وجود عسكري أمريكي في اليمن"[63]؛ بل إن اليمن رفضت عقب أحداث (كول) بعض التصرفات الرعناء، وأبلغت الأمريكان أن "هذه نبرة تدخل" ولا تقبلها، حيث كانت تأتي الحوامات والهيلوكبترات التابعة لهم من السفن لتحلق على المياه الإقليمية بدون إذن.[64]

إن الحقيقة هي ما أعلنه الرئيس صالح: "إن أمريكا هي الآن الدولة العظمى والقطب الوحيد كله، ليس العالم الصغير أو العالم الثالث، ولكن العالم المتحضر أيضًا"![65] وقد استطاعت أن تفكك النظام العربي كما استطاعت أن تفتت الكيان اليمني، وهذا ما أضعف القيادة السياسية وأدى إلى تراجعها عن مبادئها، وقبولها بسياسة الأمر الواقع مع تبريره أو التستر عليه.. كما جرى في اعتراف القيادة السياسية بالضربة التي تمت على أرض اليمن –عام 2003م- من قبل طائرات أمريكية، مع القول إنها كانت "بالتنسيق" وبسماح رسمي.[66]

الرئيس صالح يُعدّ من حكام العرب القلة، الذين لا يزالون يشعرون بالحمية والحياء، لذا فهو متردد بين ما استقر في ضميره ووعيه من مبدأ عدم القبول بالتدخل الأجنبـي وبين استسلامه لضغوط الواقع.. لذا تناقضت تصريحاته بهذا الشأن وترددت، فقد نفى لاحقًا صحة المعلومات التي تحدثت عن السماح للأمريكيين للتدخل في اليمن لمطاردة أصوليين مطلوبين, والموافقة على فتح مكتب للـ(إف. بي. آي.) في عدن لمراقبة البؤر الأصولية، مؤكدًا أن اليمن: "تستعين بالخبرة والتكنولوجيا الأمريكية فقط، ولكن التنفيذ يمني والإدارة يمنية".[67]

إن مبدأ "رفض التدخلات في الشأن الداخلي اليمني" لا يتوافق مع حصول اليمن على مساعدات أمريكية "في مجال التدريب" لمحاربة القاعدة، وهي مسألة داخلية بامتياز، مهما كانت تلك الخبرات "بسيطة ومتواضعة"![68] ولا يتوافق مع تكرار الهجمات التي باتت تقوم بها القوات الأمريكية من على الأجواء اليمنية بطائرات أيًا كان نوعها، بطيار أو بدون طيار، أو من بُعد من المياه الإقليمية أو عرض المحيط، خاصة وهناك تصريحات من مسئولين يمنيين وأمريكيين بهذا الشأن.

الرئيس صالح.. وحيرة النخوة بين الظروف والمطامع:

لقد أكد الرئيس صالح مع وصوله للحكم: "أن سياسة الجمهورية العربية اليمنية لا تتدخل في شؤون أحد" و"لا تؤمن بهذا التدخل"[69]؛ وأن "الصلة وثيقة بين غايات البناء الوطني الشامل في ضوء الأهداف والمبادئ الوطنية وبين السياسية الخارجية التي نسير عليها بحرص، على أن تتسم علاقاتنا بكل الدول بالاحترام المتبادل والتكافؤ وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأحد، وهذه أبرز معالم السياسة الخارجية التي تسير عليها الجمهورية العربية اليمنية مستهدفة تجنب المزالق التي تضعف مسار الإرادة الوطنية وحقها في ارتياد آفاق التطور المستقل المعزز للاستقلال والسيادة الوطنية"[70]؛ وكنتيجة للواقع العربي، رأى أن من المفروض تثبيت مبدأ عدم استخدام القوة من قبل أي قطر ضد أي قطر عربي، والتدخل في الشئون الداخلية، كأساس في العلاقات العربية- العربية.[71]

ومع قيام الوحدة أكد الرئيس صالح على انتماء الجمهورية اليمنية الفاعل إلى الأسرة الدولية على أسس راسخة من "الالتزام بأحكام القانون الدولي ومبادئ الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشئون الداخلية والحفاظ على الحقوق والسيادة الوطنية"[72](72)؛ مع التأكيد على حرص مجلس الرئاسة على تحديد الثوابت والأسس التي تتبعها السياسة الخارجية للجمهورية اليمنية، والتي "تنطلق من مبادئ احترام السيادة والاستقلال وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والالتزام بالعهود والمواثيق الدولية والتمسك بسياسة عدم الانحياز والتعامل المتكافئ مع جميع الدول بما يخدم المصالح المشتركة ويصون السلام والأمن الدوليين".[73]

وأبدى صالح مع نهاية حرب الانفصال التزام نظامه بمهمة البناء والتنمية والتطوير التي "لا تتحقق إلا في ظل الاستقرار واتباع سياسات ثابتة داخليًا وخارجيًا".. "تقوم على أساس الاحترام المتبادل والتعاون الإيجابي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية"[74]؛ مؤكدًا أن "وحدة اليمن إسهام لا غنى عنه في تعزيز الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة"، وأن اليمن لا تريد من الآخرين سوى "علاقات أخوية تقوم على مبادئ حسن الجوار والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وتنمية علاقات التعاون المشترك"[75]؛ مع الأقطار العربية والأجنبية.[76]

وفي ضوء هذه السياسة بحسب الرئيس صالح استطاعت اليمن.. أن تنجز الكثير على صعيد العلاقات الخارجية تحقيقًا للمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة.[77]

ومفهوم عدم التدخل ينصرف في خطابات وتصريحات القيادة السياسية إلى: "عدم السماح بالتدخل في شئوننا الداخلية أو التدخل في شئون الغير من دول العالم"[78]؛ وهذا يعني "التعامل المتكافئ مع جميع الدول، بما يخدم المصالح المشتركة، وينمي المنافع المتبادلة".[79]

وهذه السياسة اليمنية منطلقة من "مبادئ الثورة القائمة على الالتزام بالمواثيق الدولية، وتنمية التعاون مع الأسرة الدولية على قاعدة الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية"، و"ستظل متمسكةً بذلك النهج، وحريصةً على تطوير علاقاتها مع الجميع أشقاء وأصدقاء، ودعم جهود تنقية الأجواء العربية لاستعادة روح التضامن في إطار النظام العربي، وتفعيل دور جامعة الدول العربية لخدمة الأهداف المشتركة وبصورة خاصة دعم القضية الفلسطينية ومساندة جهود السلام العادل والشامل والكامل في المنطقة، وبما يضمن الأمن المشترك لدول المنطقة والتعاون المثمر فيما بينها[80]؛ وهي "رؤية إستراتيجية للتعامل في السياسة الخارجية مع الجميع أشقاء وأصدقاء"[81]؛ و"نهج صائب.. كان من نتائجه المثمرة تلك العلاقات الطيبة التي تربط بلادنا مع كافة الدول الشقيقة والصديقة".[82]

إن القيادة السياسية تريد أن تكون الجمهورية اليمنية "بلد السلام.. والأمن.. والاستقرار، لها ولجيرانها وأشقائها وأصدقائها"، بوصفها "تنبذ الحرب والعنف والإرهاب بكل أشكاله وصوره وأيًا كان مصدره".. و"تؤمن بالحوار لحل كافة القضايا والمشاكل والخلافات في إطار مبدأ التكافؤ والندية والتعاون والتكامل والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وتحقيق المصالح المشتركة بين جميع الدول والشعوب ولما فيه خير البشرية جمعاء".[83]

هكذا ظلت صياغة الثقافة وحالة الوعي لدى القيادة السياسية خلال فترة الحكم الممتدة لأكثر من ثلاثين عامًا.

واليوم وبعد هذا كله ماذا تحقق من هذه الرؤية والنظرة والمواقف؟

يرى البعض أن علي عبدالله صالح –كعادة الحكام العرب- تخلى عن ثقافة المبادئ هذه وحالة الوعي تحت وطأة ظروف الواقع العربي المخيبة للآمال، وتهديدات الخارج المكتسحة للمنطقة، وتراجع حلفاء الداخل.. وأن مطامعه في البقاء في الحكم أو توريثه لنجله الأكبر جعلته يتقبل ما كان يستنكره بالأمس ويأباه، مستشهدين بمقولته الشهيرة: "علينا أن نحلق لأنفسنا قبل أن يحلق لنا الآخرون"! وضاربين له مثلًا العقيد معمر القذافي، والذي اعتبر بسقوط بغداد ومقتل صدام حسين فتراجع عن مشاريعه ومواقفه اليعربية!

غير أن هؤلاء يتجاهلون –رغم صوابية بعض ما ذهبوا إليه- أن الرئيس علي عبدالله صالح لا تزال فيه روح ممانعة وبقايا نخوة باعتبار نشأته القبلية ونزعته العربية القومية وميله الإسلامي.. وهي تمثل بذرة يمكن في لحظة تاريخية مخاطبتها فيه كإنسان..!

لقد خلدت لنا الوثائق اليمنية طلب الرئيس صالح –عام 1978م: "من الجميع أن يكونوا كما هم بالفعل أكبر وأعظم من كل الأحزان والآلام، وأن يكونوا أكثر صلابة في مواجهتها والتصدي لكل المؤامرات التي تستهدفهم وتستهدف بلادنا الغالية، من أجل أن يبقى الوطن اليمني عزيزًا غاليًا كريمًا أبيًا يستحيل أن تدنس أرضه أو تمس حضارته أيادي الغزو الأجنبي".[84]

ودعوته -في كلمة له بمناسبة افتتاح القمة السابعة لعدم الانحياز في نيودلهي، في 9/3/1983م- إلى أن يوجه نشاط تلك الدول في المرحلة القادمة نحو تحقيق أهداف رئيسية، من أهمها "تكثيف العمل المتضافر من أجل تعرية جيوب الاستعمار في العالم، ودعم سياسة التعايش السلمي، والتصدي لكل أشكال التدخل الأجنبي والهيمنة الاستعمارية، ودعم حركات التحرر في العالم، والكفاح من أجل تغيير العلاقات الدولية القائمة على عدم التوازن الاقتصادي والتكنولوجي".

وتمنيه -في مقابلة مع صحيفة (الرأي العام) الكويتية، في29/12/1984م- "للأمة العربية والإسلامية أن تكون قد تناست خلافاتها وارتفعت إلى المستوى الذي يؤهلها لمواجهة كل الأخطار التي تحيط بها من أعدائها"، و"جلاء كل القوات الأجنبية من الأراضي العربية والمقدسات الإسلامية، مع مطلع عام 1985م".

والتزامه -في خطابه بمناسبة العيد الـ23 لثورة 26 سبتمبر، في 25/9/1985م- "بمواقفنا في مناهضة العنصرية ودعم حركات التحرر الوطني ومناصرتها في نضالها من أجل استقلال وحرية بلدانها، ونترجم قولًا وعملًا تمسكنا المبدئي بسياسة عدم الانحياز والانفتاح بإقامة علاقات واضحة ومتكافئة مع كل دول العالم تكريسًا لمبدأ التعايش السلمي والتعاون من أجل خير البشرية وسعادتها والتزامًا بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية الذي هو انعكاس لمبدأ الاحترام المتبادل وعدم التفريط في السيادة الوطنية".

ووعده –في خطابه بمناسبة الذكرى الـ24 لثورة 26 سبتمبر، في 25/9/1986م، الذي أكد فيه التزام اليمن بنهجها السياسي في علاقاتها الخارجية، القائمة على الاحترام المتبادل والتعامل المتكافئ ورعاية المصالح المشتركة وعدم التدخل في الشئون الداخلية.. مواصلة "بلادنا دعمها لكل حركات التحرر الوطني والقضايا الإنسانية العادلة..".

ووعده -في خطابه بمناسبة الذكرى الأولى للوحدة اليمنية، في 21/5/1991م- بأن يظل "شعبنا وفيًا لالتزاماته القومية والإنسانية، لا يفرط أو يساوم في قضايا أمته المصيرية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وسيظل حريصًا على دعم نضال الشعب العربي الفلسطيني المكافح حتى ينال حقوقه المشروعة، وفي طليعتها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني تحت قيادة ممثله الشرعي الوحيد منظمة التحرير الفلسطينية، وبما يهيئ له السبل للعيش في سلام وأمن واستقرار، بعيدًا عن أعمال الغدر والتنكيل والاضطهاد والبطش التي يمارسها ضده الكيان الصهيوني".

ودعوته -في كلمته في القمة العربية في دورتها العادية الـ13 في عمان، في 27/3/2001م- للتغيير الذي ينبغي أن يطرأ على هيئات ومؤسسات العمل العربي المشترك، لتحقيق نقلة نوعية لها أبعادها القومية الإستراتيجية المستقبلية، نحظى من خلالها باحترام الآخرين، وتأكيد وجود أمتنا وحضورها فوق هذا الكوكب، وبما يعيد تعزيز قدرتها على مجابهة التحديات والدفاع عن مصالحها وأمنها، مهتدين في هذا لقوله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم"!

مكررًا هذا التذكير -في خطابه بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، في 14/10/2004م: "إنه لحري بأبناء أمتنا استلهام تاريخ أمتهم وإشراقات حضارتها وجوهر دينهم ومبادئه العظيمة والعمل على تجسيدها في واقعهم اليوم في إطار من الرؤية الجماعية العميقة الحريصة على تحقيق المصالح العليا والمستوعبة لمتغيرات العصر من حولهم .. مؤكدين في الجمهورية اليمنية على موقف بلادنا الثابت في سياستها الخارجية المنطلقة من مبادئ الاحترام والاستقلال وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والتعامل المتكافئ مع جميع الدول بما يخدم المصالح المشتركة وينمي من المنافع المتبادلة ويخدم الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة والعالم".

"إن أمتنا الإسلامية التي وصل تعدادها إلى أكثر من مليار وثلاثمائة مليون نسمة مازالت تعاني أشد الأخطار الموروثة من عهود التخلف والاضمحلال والاستبداد والاستعمار، وإن معركتها الأولى اليوم يجب أن تتوجه نحو القضاء على الجهل والفقر والمرض والبطالة والعزلة، وهي الحالة العصيبة والمؤلمة التي تفاقمها المخاطر المتعددة والأطماع الخارجية وأشكال التدخل المرفوضة في شئونها الداخلية، ولا سبيل إلى ذلك بغير إقامة علاقات التعاون الأخوية الصادقة بين كافة الأقطار الإسلامية، وبناء جسور التكامل والوحدة وبالخطوات المتدرجة التي سارت عليها الشعوب والأمم الأخرى فأحرزت النجاح المنشود برغم إرثها التاريخي المرير وافتقادها للعديد من عناصر وأركان الالتقاء والتكامل والتوحد، خاصة وأن هناك اليوم نوعًا مكشوفًا من الحرب الشعواء التي يتم توجيهها بأساليب عديدة ضد عقيدتنا الدينية وأمتنا العربية والإسلامية وضد خاتم الأنبياء والرسل عليه الصلاة والسلام".[85]

إن هذه الكلمات وهذه الثقافة والوعي بمخاطر التدخل الأجنبي وضرورة إحلال السلام والأمن والاستقرار جديرة بأن تتحول من الأقوال إلى الأفعال، وهي أمنيات كبيرة لا يمكن أن تستحيل واقعًا في ظل مطامع القيادة السياسية الشخصية والعائلية والفئوية، بل تتطلب تنازلًا عنها.. ولا يزال بإمكان الرئيس علي عبدالله صالح أن يختار بين أن يكون مثالًا للزعيم العربي والحاكم المسلم الذي ينتصر لمبادئه وقيمه ودينه وأمته فيكتب في سجل الخالدين، وبين أن يكون في قائمة الطابور ... ومهما عمل فإنه لن يحصل رضا أهل الأرض.. أو أهل السماء!

لقد وقعت القيادة السياسية اليمنية في فخ سابق جرها إلى هذه الحالة الراهنة، التي أضعفت الحاكم والمحكوم، ألا وهي الأخذ بالديمقراطية وفتح المجال لتعدد الولاءات والعمالة للخارج، كما أشار هو عن حال لبنان، فأصبحت اليمن كغيرها مرتعًا خصبًا للتدخل الأجنبي بصوره الثقافية والقانونية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية.

لقد كان النظام السياسي في الجمهورية العربية اليمنية يحرم ويجرم الحزبية باعتبارها خيانة وعمالة، وتكرر ذلك في أدبيات النظام وتصريحات المسئولين –بمن فيهم الرئيس صالح[86]. وفجأة جرى إطلاق "الدكاكين" –وهو وصف كانت تطلقه القيادة السياسية على التنظيمات الحزبية- لتفتح أبوابها. ومع هذا الانفتاح سقطت أولى قلاعنا الفكرية وبدأ التنازع على السلطة والثروة والمصالح.. وعقب ما يقرب خمسة عشرة عامًا أطلق الرئيس صالح على هذه التنظيمات "الأفاعي"، ثم أكد المعنى بعد أقل من خمس سنوات بوصفها "ثعابين"!

وفي ظل سياسة الكيد والتلاعب بالمصالح وتوسع المطامع أصبحت البلاد مشرعة على الاستقواء بالأجنبي معارضة وحكومة.. فلم تعُد المبادئ والقيم ذات بال يذكر عند الفرقاء.

 

ومع ذلك فالمتوقع في القيادة السياسية اليمنية ممثلة في الرئيس علي عبدالله صالح وعقب الخبرة الطويلة والمشاهدات والتجربة.. أن تراجع حساباتها قبل انهيار الوضع بشكل تصعب معه العودة إلى نقطة البدء أو الحفاظ على ثباته. والبداية تتطلب العودة إلى ثقافة المبادئ الصحيحة وحالة الوعي السليمة.. إن كنا صدقنا معها.

ملاحظة:

جميع الخطابات والأحاديث والحوارات منقولة عن الموقع الرسمي للرئيس علي عبدالله صالح، مع شيء من التعديل أحيانًا للضرورة اللغوية أو من أجل الصياغة دون تغيير المعنى: www.presidentsaleh.gov.ye.

-----------

الهوامش

[1]- في مقابلة مع صحيفة (الثورة)، في 16/7/1982م.

[2]- في مقابلة مع صحيفة (السياسة) الكويتية، في 16/2/1982م.

[3]- في مقابلة مع مجلة (الجمهور) اللبنانية، في 19/2/1982م.

[4]- في مقابلة مع مجلة (الصياد) اللبنانية، في 27/2/1982م.

[5]- في مقابلة مع مجلة (الدستور العربية) الصادرة في لندن، في 14/10/1983م.

[6]- مع مجلة (الوطن العربي) الصادرة في باريس، في 18/10/1983م.

[7]- في مقابلة مع مجلة (النيوز ويك)، في 15/1/1985م.

[8]- في مقابلة مع مجلة (الشراع) اللبنانية، في 4/1/1987م.

[9]- مقابلة مع مجلة (روز اليوسف) المصرية، في 9/8/1989م.

[10]- في مقابلة مع مجلة (المصور) المصرية، في 6/3/1987م.

[11]- في خطابه بمناسبة العيد الفضي الـ25 لثورة 26 سبتمبر، في 25/9/1987م.

[12]- في مقابلة مع مجلة (الصياد) اللبنانية، في 27/2/1982م.

[13]- خطاب الرئيس بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك، في 16/9/1983م.

[14]- في مقابلة مع مجلة (اقرأ) السعودية، في 15/10/1983م.

[15]- في مقابلة مع مجلة (الوطن العربي) الصادرة في باريس، في 20/9/1985م. وهذا التحليل الذي يقدمه الرئيس صالح عن حالة الداخل اللبناني الذي أفضى إلى قدرة الأجنبي على التدخل في شئونه، هو ذاته الذي يتكرر دائمًا في قضايا الأمة.

[16]- في مقابلة مع مجلة (الحوادث) اللبنانية، في 4/10/1989م.

[17]- في مقابلة مع مجلة (الإثنين) البيروتية، في 3/4/1981م.

[18]- في مقابلة مع صحيفتي (البيان) و(الإمارات اليوم)، في 16/1/2007م.

[19]- في مقابلة مع وكالة (الأسوشيتد برس)، في 2/1/1985م.

[20]- في خطابه إلى مؤتمر القمة الإسلامية الخامسة، في 28/1/1987م.

[21]- في مقابلة مع صحيفة (وول ستريت) وشبكة التلفزيون الأمريكية، في 19/8/1990م.

[22]- في مقابلة مع شبكة التلفزيون الأوروبية والأمريكية، في 4/9/1990م. وقد كرر هذه المعلومة في مقابلة مع قناة (الجزيرة)، في 5/8/2001م. وفي مقابلة مع صحيفة (الحياة) اللندنية، في 27/3/2010م.

[23]- وفي مقابلة مع صحيفة (الأهالي) المصرية، في 19/9/1990م.

[24]- في مقابلة مع التلفزيون الفرنسي، في 21/9/1990م.

[25]- في خطابه بمناسبة العيد الـ27 لثورة 14 أكتوبر، في 13/10/1990م.

[26]- في مقابلة مع صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية، في 29/10/1990م. كما كرر الرئيس موقف اليمن الرافض للوجود الأجنبي في المنطقة، في مقابلة مع إذاعة (لندن)، في 23/11/1990م. وفي مقابلة مع إذاعة (لندن)، عام 18/5/1991م، قال: "نحن ضد الوجود الأجنبي في المنطقة، لما له من أبعاد وإشكالات لما بعد حرب الخليج في المنطقة، ومن آثار سلبية؛ وكان هدف اليمن من رفض الوجود الأجنبي من أجل ألّا يتم التدخل في شئون العرب، وكان لنا تفسيرنا ورؤيتنا الخاصة من أن هذه الإشكالية تتم في الإطار العربي".

[27]- في مقابلة مع صحيفة (المجاهد) الجزائرية، في 14/11/1990م.

[28]- في مقابلة مع صحيفة (الأنباء) الكويتية، في 18/12/1990م.

[29]- في مقابلة مع مجلة (ألف باء) العراقية، في 25/12/1990م.

[30]- في مقابلة مع مجلة (الأهالي) المصرية، في 21/2/1991م.

[31]- في مقابلة مع صحيفة (الأيام) البحرينية، في 13/4/1999م.

[32]- في مقابلة مع تلفزيون (A. R. T.)، في 24/1/1997م.

[33]- المرجع السابق نفسه.

[34]- في مقابلة مع صحيفة (الخليج) الإماراتية ومجلة (أوفيتا) الأثيوبية، في 25/11/1998م.

[35]- في خطابه بمناسبة عيد الأضحى المبارك، في 21/2/2002م.

[36]- في مقابلة مع مجلة (الحوادث) اللبنانية، في 20/8/2003م.

[37]- في مقابلة مع مجلة (المستقبل) الصادرة في باريس، في 19/11/1982م.

[38]- في مقابلة مع التلفزيون المصري، في 22/10/2008م.

[39]- في مقابلة مع مجلة (الإثنين) البيروتية، في 3/4/1981م.

[40]- في مقابلة مع صحيفة (المجالس المحلية) اليمنية، في 15/10/1988م.

[41]- في مقابلة مع مجلة (اليقظة)، في 2/3/1990م.

[42]- في مقابلة مع مجلة (الحوادث) اللبنانية، في 30/10/1993م.

[43]- في مؤتمر صحفي بتاريخ 8/6/1994م.

[44]- في خطابه بمناسبة عيد الفطر، في 28/1/1998م.

[45]- في مقابلة مع صحيفة (الخليج) الإماراتية ومجلة (أوفيتا) الأثيوبية، في 25/11/1998م.

[46]- في مقابلة مع صحيفة (الراية) القطرية، في 7/10/1979م.

[47]- في مقابلة مع صحيفة (السياسة) الكويتية، في 16/2/1982م.

[48]- في مقابلة مع مجلة (النهضة) الكويتية، في 13/11/1982م.

[49]- في مقابلة مع صحيفة (السياسة) الكويتية، في 21/4/1984م.

[50]- في مقابلة مع صحيفة (الشرق الأوسط)، في 1/9/1984م، ومع إذاعة صوت ألمانيا الاتحادية، في 5/9/1984م.

[51]- في مقابلة مع صحيفة (الأمل) الأسبوعية، في 27/9/1984م.

[52]- في مقابلة مع وكالة أنباء الإمارات العربية المتحدة، في 13/11/1984م.

[53]- في مقابلة مع مجلة (روز اليوسف) المصرية، في 9/8/1989م.

[54]- في مقابلة مع صحيفة (الرأي العام) الكويتية، في 2/3/1979م.

[55]- في مقابلة مع صحيفة (صوت العمال)، في 15/7/1993م.

[56]- في مقابلة مع قناة (الجزيرة)، في 23/4/1998م.

[57]- في مقابلة مع صحيفة (القدس العربي) اللندنية، في 28/1/1999م.

[58]- في مقابلة مع صحيفة (المستقبل) اللبنانية، في 4/10/1999م.

[59]- في مقابلة مع صحيفة (الحياة) اللندنية، في 2/4/2000م.

[60]- في مقابلة مع قناة (الجزيرة)، في 5/4/2002م.

[61]- في مقابلة مع صحيفة (الوطن) القطرية، في 11/5/2002م.

[62]- المرجع السابق نفسه.

[63]- في مقابلة مع صحيفة (الوطن) القطرية، في 11/5/2002م.

[64]- في مقابلة مع قناة (الجزيرة)، في 16/7/2003م.

[65]- في مقابلة مع صحيفة (الوطن) القطرية، في 11/5/2002م.

[66]- في مقابلة مع قناة (الجزيرة)، في 16/7/2003م.

[67]- في مقابلة مع مجلة (الحوادث) اللبنانية، في 20/8/2003م.

[68]- في مقابلة مع صحيفة (الحياة) اللندنية، في 28/3/2009م.

[69]- في مقابلة مع مجلة (النهضة) الكويتية، في 13/11/1982م.

[70]- في مقابلة مع وكالة أنباء الإمارات العربية المتحدة، في 13/11/1984م.

[71]- في مقابلة مع صحيفة (الرأي العام) الكويتية، في 23/2/1989م.

[72]- في خطابه بمناسبة إعلان الجمهورية اليمنية، في 22/5/1990م.

[73]- في خطابه بمناسبة العيد الـ28 لثورة 26 سبتمبر، في 25/9/1990م.

[74]- في خطابه بمناسبة العيد الـ32 لثورة سبتمبر والـ31 لثورة أكتوبر، في 25/9/1994م.

[75]- في مقابلة مع صحيفة (الحياة) اللندنية، في 13/10/1994م.

[76]- في مقابلة مع صحيفة (السياسة) الكويتية، في 5/7/1995م.

[77]- في خطابه بمناسبة عيد الفطر المبارك، في 19/2/1996م.

[78]- في بيانه السياسي بمناسبة العيد الوطني السادس للجمهورية اليمنية، في 21/5/1996م.

[79]- في خطابه بمناسبة عيد الفطر، في 7/2/1997م.

[80]- في خطابه بمناسبة حلول عيد الأضحى، في 6/4/1998م. وانظر خطاب الرئيس بمناسبة العيد الـ36 لثورة 26 سبتمبر والعيد الـ35 لثورة 14 أكتوبر والعيد 31 لـ30 نوفمبر، في 25/9/1998م.

[81]- في خطابه بمناسبة شهر رمضان، في 18/12/1998م.

[82]- في خطابه بمناسبة عيد الأضحى المبارك، في 26/3/1999م.

[83]- في خطابه بمناسبة حلول شهر رمضان، في 7/12/1999م.

[84]- في مقابلة مع صحيفة (13 يونيو) اليمنية، في 3/8/1978م.

[85]- في خطابه بمناسبة حلول شهر رمضان، في 31/8/2008م.

[86]- جاء في مقابلة مع صحيفة (السياسة) الكويتية، في 20/5/1989م قول الرئيس: "إن النشاط الحزبي بكل أشكاله وألوانه وتحت أي مسمى كان محرم في اليمن بنص المادة (37) من الدستور الدائم".

استطلاع رأي

ما هو تقييمك للموقع الجديد؟

مركز الاعلام

الصحف الكويتية تتناول أخبار مؤتمر (وحدة الخليج والجزيرة العربية) وتشير إلى مشاركة رئيس المركز في فعالياته...

في مؤتمر اتفاقيات المرأة بالمنامة: خبراء ومفكرون عرب يحذِّرون من اتفاقيات دولية تدعو إلى المعارضة للدين والأخلاق بالإباحية

دراسة تحذر من مآلات (أزمة الجنوب) وشبح التقسيم

صحيفة الغد: دراسة تحذر من تنامي ظاهرة "العنف الإسلامي" مستقبلا

قضايا المرأة اليمنية بمنظور الشرع والتقاليد والواقع

26 سبتمبر: (العنف في اليمن) كتاب لـ(أنور الخضري)

عقلية علمانية أم مطلب حقوقي؟ جدل الحركة النسوية في اليمن يعيد مصطلحات الخلافات الأيدلوجية

معرض الصور

المزيد

معرض الملتميديا

المزيد
2018